تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
مَنْعِ الْمُشْتَرِي مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ الْعِتْقِ ، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ الْمِلْكُ الَّذِي يَمْلِكُ صَاحِبُهُ التَّصَرُّفَ مُطْلَقاً . قَالُوا : وَإِنَّمَا جَوَّزَتْهُ السُّنَّةُ ؛ لِأَنَّ لِلشَّارِعِ إلَى الْعِتْقِ تَشَوُّقاً لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ أَوْجَبَ فِيهِ السِّرَايَةَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إخْرَاجِ مِلْكِ الشَّرِيكِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَإِذَا كَانَ مَبْنَاهُ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ وَالنُّفُوذِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ غَيْرُهُ . وَأُصُولُ أَحْمَدَ وَنُصُوصُهُ تَقْتَضِي جَوَازَ شَرْطِ كُلِّ تَصَرُّفٍ فِيهِ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْعٌ مِنْ غَيْرِهِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قِيلَ لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَبِيعُ الْجَارِيَةَ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا ، فَأَجَازَهُ ، قِيلَ لَهُ : فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ ، قَالَ : لِمَ لَا يَجُوزُ ، قَدْ اشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرَ جَابِرٍ وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَاشْتَرَتْ عَائِشَةُ بَرِيرَةَ عَلَى أَنَّهَا تُعْتِقُهَا ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ هَذَا ، قَالَ : وَإِنَّمَا هَذَا شَرْطٌ وَاحِدٌ ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ عَنْ شَرْطَيْنِ ، قِيلَ لَهُ : فَإِنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ أَيَجُوزُ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ ، فَقَدْ نَازَعَ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ بِاشْتِرَاطِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَ بَعِيرِ جَابِرٍ ، وَحَدِيثِ بَرِيرَةَ ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَهَى عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ فِيهِ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ ، وَهُوَ يَقْضِي لِمُوجِبِ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ . وَاشْتِرَاطُ الْعِتْقِ فِيهِ تَصَرُّفٌ مَقْصُودٌ مُسْتَلْزِمٌ لِنَقْضِ مُوجِبِ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ فِي التَّصَرُّفِ أَوْ فِي الْمَمْلُوكِ ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِحَدِيثِ الشَّرْطَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ هَذَا الْجِنْسِ كُلِّهِ ، وَلَوْ كَانَ الْعِتْقُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَمَا قَاسَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا يَشْمَلُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَسَّانَ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ اشْتَرَى مَمْلُوكاً وَاشْتَرَطَ هُوَ حُرِّيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، قَالَ : هَذَا مُدَبَّرٌ ، فَجَوَّزَ اشْتِرَاطَ التَّدْبِيرِ كَالْعِتْقِ . وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي شَرْطِ التَّدْبِيرِ خِلَافٌ ، صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَلِذَلِكَ جَوَّزَ اشْتِرَاطَ التَّسَرِّي فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً بِشَرْطِ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا ، وَلَا تَكُونُ لِلْخِدْمَةِ ، قَالَ : لَا بَأْسَ ، فَلَمَّا كَانَ التَّسَرِّي لِبَائِعِ الْجَارِيَةِ فِيهِ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ جَوَّزَهُ ، وَكَذَلِكَ جَوَّزَ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَبِيعُهَا لِغَيْرِ الْبَائِعِ ، وَأَنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُهَا إذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَامْرَأَتِهِ زَيْنَبُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 101 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا