الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ؛ فَإِنَّ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ، وَسِيرَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُفَرِّقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَرِحَ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَأَمَّا الْقِتَالُ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ وَالذَّمِّ عَلَيْهِ مَا ظَهَرَ ، وَقَالَ مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ وَغَيْرِهِمْ : إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا طُهْرُهُمْ السَّيْفُ ، وَصَلَّى عَلَى قَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ .
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { سَتَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حِدَاثُ الْأَسْنَانِ ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْراً لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِي كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ الَّذِينَ سَارُوا إلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ عَلِيٌّ : أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ ؛ وَلَا صَلَاتُكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ ، وَلَا صِيَامُكُمْ إلَّا صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِمْ لَنَكَلُوا عَنْ الْعَمَلِ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ لَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ قَالَ : فَيَذْهَبُونَ إلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَيَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ ، وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ } .
قَالَ : فَلَمَّا الْتَقَيْنَا وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ رَئِيساً فَقَالَ لَهُمْ : أَلْقُوا الرِّمَاحَ ، وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ حُقُوقِهَا ، فَإِنِّي أُنَاشِدُكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ ، فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ ، وَسَلُّوا السُّيُوفَ ، وَسَحَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ .
قَالَ : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَمَا أُصِيبَ مِنْ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إلَّا رَجُلَانِ : فَقَالَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 539
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٣٩