تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
مِصْرَ لَمَّا اسْتَنْجَدُوهُ عَلَى الْإِفْرِنْجِ ، وَتَكَرَّرَ دُخُولُ الْعَسْكَرِ إلَيْهَا مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ الَّذِي فَتَحَ مِصْرَ ؛ فَأَزَالَ عَنْهَا دَعْوَةَ الْعُبَيْدِيِّينَ مِنْ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ ، وَأَظْهَرَ فِيهَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ ، حَتَّى سَكَنَهَا مِنْ حِينَئِذٍ مَنْ أَظْهَرَ بِهَا دِينَ الْإِسْلَامِ . وَكَانَ فِي أَثْنَاءِ دَوْلَتِهِمْ يَخَافُ السَّاكِنُ بِمِصْرَ أَنْ يَرْوِيَ حَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الْحَبَّالُ صَاحِبُ عَبْدِ الْغَنِيّ بْنِ سَعِيدٍ ، وَامْتَنَعَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ خَوْفاً أَنْ يَقْتُلُوهُ ، وَكَانُوا يُنَادُونَ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ : مَنْ لَعَنَ وَسَبَّ ، فَلَهُ دِينَارٌ وَإِرْدَبٌّ . وَكَانَ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ عِدَّةُ مَقَاصِيرَ يُلْعَنُ فِيهَا الصَّحَابَةُ ؛ بَلْ يُقْطِعُهُمْ فِيهَا بِالْكُفْرِ الصَّرِيحِ ، وَكَانَ لَهُمْ مَدْرَسَةٌ بِقُرْبِ " الْمَشْهَدِ " الَّذِي بَنَوْهُ وَنَسَبُوهُ إلَى الْحُسَيْنِ وَلَيْسَ ، فِيهِ الْحُسَيْنُ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ : بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ . وَكَانُوا لَا يُدَرِّسُونَ فِي مَدْرَسَتِهِمْ عُلُومَ الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ الْمَنْطِقَ ، وَالطَّبِيعَةَ ، وَالْإِلَهِيَّ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ . وَبَنَوْا أَرْصَاداً عَلَى الْجِبَالِ وَغَيْرِ الْجِبَالِ ، يَرْصُدُونَ فِيهَا الْكَوَاكِبَ ، يَعْبُدُونَهَا ، وَيُسَبِّحُونَهَا ، وَيَسْتَنْزِلُونَ رُوحَانِيَّاتِهَا الَّتِي هِيَ شَيَاطِينُ تَتَنَزَّلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْكُفَّارِ ، كَشَيَاطِينِ الْأَصْنَامِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . " وَالْمُعِزُّ بْنُ تَمِيمِ بْنِ مَعْدٍ " أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ الْقَاهِرَةَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَصَنَّفَ كَلَاماً مَعْرُوفاً عِنْدَ أَتْبَاعِهِ ؛ وَلَيْسَ هَذَا " الْمُعِزُّ بْنُ بَادِيسَ " فَإِنَّ ذَاكَ كَانَ مُسْلِماً مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَكَانَ رَجُلاً مِنْ مُلُوكِ الْمَغْرِبِ ؛ وَهَذَا بَعْدَ ذَاكَ بِمُدَّةٍ . وَلِأَجْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الزَّنْدَقَةِ وَالْبِدْعَةِ بَقِيَتْ الْبِلَادُ الْمِصْرِيَّةُ مُدَّةَ دَوْلَتِهِمْ نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ قَدْ انْطَفَأَ نُورُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ، حَتَّى قَالَتْ فِيهَا الْعُلَمَاءُ : إنَّهَا كَانَتْ دَارَ رِدَّةٍ وَنِفَاقٍ ، كَدَارِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ . وَالْقَرَامِطَةِ " الْخَارِجِينَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ كَانُوا سَلَفاً لِهَؤُلَاءِ الْقَرَامِطَةِ ذَهَبُوا مِنْ الْعِرَاقِ إلَى الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ جَاؤُوا مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى مِصْرَ ؛ فَإِنَّ كُفْرَ هَؤُلَاءِ وَرِدَّتَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ ، وَهُمْ أَعْظَمُ كُفْراً وَرِدَّةً مِنْ كُفْرِ أَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَنَحْوُهُ مِنْ الْكَذَّابِينَ ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَقُولُوا فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالشَّرَائِعِ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ . وَلِهَذَا يُمَيَّزُ بَيْنَ قُبُورِهِمْ وَقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا يُمَيَّزُ بَيْنَ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَإِنَّ قُبُورَهُمْ مُوَجَّهَةٌ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ . وَإِذَا أَصَابَ الْخَيْلُ أَرْصَدَهُ أَتَوْا بِهَا إلَى قُبُورِهِمْ ، كَمَا يَأْتُونَ بِهَا إلَى قُبُورِ الْكُفَّارِ ، وَهَذِهِ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِلْخَيْلِ إذَا أَصَابَ الْخَيْلَ مَغَلٌ ذَهَبُوا بِهَا إلَى قُبُورِ النَّصَارَى بِدِمَشْقَ ،