طَاهِراً أَوْ حَامِلاً } وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ " قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ : " الطَّلَاقُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : وَجْهَانِ حَلَالٌ .
وَوَجْهَانِ حَرَامٌ .
فَأَمَّا اللَّذَانِ هُمَا حَلَالٌ : فَأَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ طَاهِراً فِي غَيْرِ جِمَاعٍ .
أَوْ يُطَلِّقَهَا حَامِلاً قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا .
وَأَمَّا اللَّذَانِ هُمَا حَرَامٌ : فَأَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضاً .
أَوْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يَدْرِي اشْتَمَلَ الرَّحِمُ عَلَى وَلَدٍ أَمْ لَا .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَّا إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا ، وَهَذَا هُوَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ .
أَيْ : لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ الطُّهْرُ أَوْ الْعِدَّةُ .
فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ يَكُونُ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ ، وَيَكُونُ قَدْ طَوَّلَ عَلَيْهَا التَّرَبُّصَ .
وَطَلَّقَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إلَى طَلَاقِهَا ، وَالطَّلَاقُ فِي الْأَصْلِ مِمَّا يُبْغِضُهُ .
وَهُوَ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ .
وَإِنَّمَا أَبَاحَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ كَمَا تُبَاحُ الْمُحَرَّمَاتُ لِلْحَاجَةِ : فَلِهَذَا حَرَّمَهَا بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ عُقُوبَةً لَهُ ، لِيَنْتَهِيَ الْإِنْسَانُ عَنْ إكْثَارِ الطَّلَاقِ .
فَإِذَا طَلَّقَهَا لَمْ تَزَلْ فِي الْعِدَّةِ مُتَرَبِّصَةً ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ، وَهُوَ مَالِكٌ لَهَا يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ فَائِدَةٌ فِي تَعْجِيلِ الطَّلَاقِ قَبْلَ وَقْتِهِ ؛ كَمَا لَا فَائِدَةَ فِي مُسَابَقَةِ الْإِمَامِ ، وَلِهَذَا لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ ؛ بَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ .
وَهُوَ لَا يَزَالُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُسَلِّمَ .
وَلِهَذَا جَوَّزَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْخُلْعَ فِي الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ؛ بَلْ فُرْقَةٌ بَائِنَةٌ ، وَهُوَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَدَ ؛ وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا بِالِاخْتِلَاعِ فَلَهُمَا فَائِدَةٌ فِي تَعْجِيلِ الْإِبَانَةِ لِرَفْعِ الشَّرِّ الَّذِي بَيْنَهُمَا ؛ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْجِيلِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ ؛ بَلْ ذَلِكَ شَرٌّ بِلَا خَيْرٍ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ طَلَاقٌ فِي وَقْتٍ لَا يُرْغَبُ فِيهَا ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مُحْتَاجاً إلَيْهِ ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَقْتَ الرَّغْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ حَاجَةٍ .
{ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عُمَرَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا } مِمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فِي مُرَادِ النَّبِيِّ
الفتاوى الكبرى — صفحة 287
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٧