فِيهِ الرَّجْعَةَ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ : { ارْجِعْهَا إنْ شِئْت } ، وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا } .
فَأَمَرَهُ بِالرَّجْعَةِ ، وَالرَّجْعَةُ يَسْتَقِلُّ بِهَا الزَّوْجُ : بِخِلَافِ الْمُرَاجَعَةِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ { أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ : مَا أَرَدْت بِهَا إلَّا وَاحِدَةً .
فَرَدَّهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَأَبُو دَاوُد لَمَّا لَمْ يَرْوِ فِي سُنَنِهِ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ : حَدِيثُ " أَلْبَتَّةَ " أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ : { أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً } ، لِأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ أَعْلَمُ ؛ لَكِنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَكَابِرَ الْعَارِفُونَ بِعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِيهِ : كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَالْبُخَارِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ ، وَغَيْرِهِ : ضَعَّفُوا حَدِيثَ أَلْبَتَّةَ ، وَبَيَّنُوا أَنَّ رُوَاتَهُ قَوْمٌ مَجَاهِيلُ ، لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُمْ وَضَبْطُهُمْ ، وَأَحْمَدُ أَثْبَتَ حَدِيثَ الثَّلَاثِ ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الصَّوَابُ مِثْلُ قَوْلِهِ : حَدِيثُ رُكَانَةَ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ .
وَقَالَ أَيْضاً : حَدِيثُ رُكَانَةَ فِي " أَلْبَتَّةَ " لَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ يَرْوِيهِ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً } .
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمُّونَ مَنْ طَلَّقَ ثَلَاثاً طَلَّقَ أَلْبَتَّةَ .
وَأَحْمَدُ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الثَّلَاثَ جَائِزَةٌ ، مُوَافَقَةً لِلشَّافِعِيِّ .
فَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ : حَدِيثُ رُكَانَةَ مَنْسُوخٌ .
ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ طَلَاقٌ مُبَاحٌ إلَّا الرَّجْعِيُّ عَدَلَ : عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّهُ أَفْتَى بِخِلَافِهِ ، وَهَذَا عِلَّةٌ عِنْدَهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ؛ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى الَّتِي عَلَيْهَا أَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَعْذَارُ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الَّذِينَ أَلْزَمُوا مَنْ أَوْقَعَ جُمْلَةَ الثَّلَاثِ بِهَا مِثْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ جَمْعِ الثَّلَاثِ ، وَلَا يَنْتَهُونَ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِعُقُوبَةٍ : رَأَى عُقُوبَتَهُمْ بِإِلْزَامِهَا : لِئَلَّا يَفْعَلُوهَا ، إمَّا مِنْ نَوْعِ التَّعْزِيرِ الْعَارِضِ الَّذِي يُفْعَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، كَمَا كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ ، وَيَحْلِقُ الرَّأْسَ .
وَيَنْفِي ، وَكَمَا { مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ الِاجْتِمَاعِ بِنِسَائِهِمْ } ، وَإِمَّا ظَنّاً أَنَّ جَعْلَهَا وَاحِدَةً كَانَ مَشْرُوطاً
الفتاوى الكبرى — صفحة 283
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٣