تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
بِهَذَا الْعَقْدِ فَكَيْفَ بِمُعَاقَدَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ : مِنْ طَاعَتِهِمْ ، وَمُنَاصَحَتِهِمْ ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ . فَكُلُّ عَقْدٍ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ بِدُونِ الْيَمِينِ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَانَتْ الْيَمِينُ مُؤَكِّدَةً لَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ فَسْخُ مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا ، إذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ } . وَمَا كَانَ مُبَاحاً قَبْلَ الْيَمِينِ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِرْ حَرَاماً ؛ بَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِباً فَعَلَهُ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِرْ وَاجِباً عَلَيْهِ ، بَلْ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ وَلَا يَفْعَلَهُ ، وَلَوْ غَلَّظَ فِي الْيَمِينِ بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَّظَهَا ، فَأَيْمَانُ الْحَالِفِينَ لَا تُغَيِّرُ شَرَائِعَ الدِّينِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ بِيَمِينِهِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ ، وَلَا يُوجِبُ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ . هَذَا هُوَ شَرْعُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا شَرْعُ مَنْ قَبْلَهُ فَكَانَ فِي شَرْعِ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ شَيْئاً حَرُمَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَن شَيْئاً وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهِمْ كَفَّارَةٌ ، فَقَالَ تَعَالَى : { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلّاً لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ } فَإِسْرَائِيلُ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئاً فَحَرُمَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّنَا : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك تَبْتَغِي مَرْضَاةِ أَزْوَاجِك وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } . وَهَذَا الْفَرْضُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلَالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 266 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا