ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّ إبْلِيسَ يَنْصِبُ عَرْشَهُ عَلَى الْبَحْرِ ، وَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ : فَأَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً ، فَيَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ : مَا زِلْت بِهِ حَتَّى فَعَلَ كَذَا ؛ حَتَّى يَأْتِيَهُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولَ : مَا زِلْت بِهِ حَتَّى فَرَّقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ؛ فَيُدْنِيَهُ مِنْهُ ؛ وَيَقُولُ : أَنْتَ ، أَنْتَ ، وَيَلْتَزِمُهُ } .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي ذَمِّ السِّحْرِ : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ الْمُخْتَلِعَاتِ وَالْمُنْتَزِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ } .
وَفِي السُّنَنِ أَيْضاً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ } .
وَلِهَذَا لَمْ يُبَحْ إلَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الثَّالِثَةِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، وَإِذَا كَانَ إنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ ، فَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِوَاحِدَةٍ ، فَمَا زَادَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْحَظْرِ .
الْأَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُحَرَّمَ الَّذِي يُسَمَّى " طَلَاقَ الْبِدْعَةِ " إذَا أَوْقَعَهُ الْإِنْسَانُ هَلْ يَقَعُ ، أَمْ لَا ؟ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ بِوُقُوعِهِ مَعَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَقَعُ .
مِثْلُ طَاوُوسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَخِلَاسٍ ، وَعُمَرَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ .
وَأَهْلِ الظَّاهِرِ : كَدَاوُد ، وَأَصْحَابِهِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ .
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : دَاوُد وَأَصْحَابُهُ ؛ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَقُولُ بِتَحْرِيمِ الثَّلَاثِ .
وَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ مَجْمُوعُ الثَّلَاثِ إذَا أَوْقَعَهَا جَمِيعاً ؛ بَلْ يَقَعُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ ؛ وَلَمْ يُعْرَفْ قَوْلُهُ فِي طَلَاقِ الْحَائِضِ ؛ وَلَكِنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ جَمِيعاً قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالشِّيعَةِ .
وَمِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : إذَا أَوْقَعَ الثَّلَاثَ جُمْلَةً لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ أَصْلاً ، لَكِنَّ هَذَا قَوْلٌ مُبْتَدَعٌ لَا يُعْرَفُ لِقَائِلِهِ سَلَفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالشِّيعَةِ ؛ لَكِنْ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ لَا يَقُولُ بِتَحْرِيمِ جَمْعِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 251
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥١