باب
القول في النافي وهل عليه دليل
اختلف الناس في النافي وهل عليه دليل ؟
فقال قائلون : ليس عليه إقامة الدليل على صحة نفيه لما نفاه من العقليات ، ولا في
السمعيات ، وإنما الدليل على المثبت .
وقال آخرون : عليه إقامة الدليل على نفي ما نفاه في العقليات ، وليس عليه إقامة
الدلالة على ما نفاه من السمعيات .
وقال آخرون : على كل من نفى شيئا وأثبته إقامة الدلالة على نفي ما نفاه ، وعلى
إثبات ما أثبته ، وذلك في العقليات والسمعيات سواء . ( 1 )
قال أبو بكر : وهذا هو الصحيح ، وكذلك كان يقول الشيخ أبو الحسن رحمه الله .
والدليل على صحة ذلك : أن كل من نفى شيئا ، فهو لا محالة مثبت لوجود اعتقاد
( صحة ذلك ) . ( 2 ) فاقتضى أصله وجوب إقامة الدليل على صحة ما أثبته من صحة اعتقاده
في إسقاط الدليل على النافي - فهو من حيث يروم إسقاط الدليل على النافي ، فقد ألزم نفسه
إقامة الدليل على صحة اعتقاده لذلك .
وأيضا : فإن قائل هذا القول ، قد قضى لخصمه بإسقاط الدلائل عنه في نفي قوله ،
لأن خصمه ناف لصحة مقالته ، ولا دلالة عليه إذا في نفيه مقالته على أصله ، ولا دلالة
أيضا على القائل : بأن النفي لا دليل عليه على مذهبه ، فيوجب ( 3 ) هذا تناقض القولين ،
الفصول في الأصول — صفحة 385
مساهمون: الجصاص
ص٣٨٥