قال أبو بكر : فقد بان من قول محمد : أن هذا عنده إجماع صحيح ، بمنزلة الإجماع
الذي يتقدمه اختلاف في باب وجوب فسخ القاضي ( ببيع أمهات الأولاد ) ( 1 ) وكان أبو
الحسن يقول : إجازة أبي حنيفة قضاء القاضي ببيع أمهات الأولاد ، لا يدل على : أنه كان
لا يرى الإجماع الذي حصل في منع بيع أمهات الأولاد بعد الاختلاف الذي كان بين
السلف فيه إجماعا صحيحا ، يلزم صحته ، ( 2 ) ويجب على من بعدهم اتباعه ، ( 3 ) إذ جائز أن
يكون مذهبه : أنه إجماع صحيح ، وإن لم يفسخ قضاء القاضي إذا قضى بخلافه ، فكان
يذكر لذلك وجها ذهب عني حفظه ، والذي يقوله في ذلك : إن منازل الإجماعات مختلفة
كمنازل النصوص ، يكون بعضها آكد من بعض ، ويسوغ الاجتهاد في ترك بعضها ،
ولا يجوز في ترك بعض .
ألا ترى : أن النص المتفق على معناه ليس في لزوم حجته بمنزلة النص المختلف في
معناه ، وإن كان حجتهما جميعا عندنا ثابتة ، كذلك حكم الإجماعات ، ( 4 ) فليس يمتنع على
هذا أن يفرق بين الإجماع الذي قد تقدمه اختلاف ، وبين الإجماع الذي لم يسبقه خلاف في
باب فسخ قضاء القاضي ، بخلاف أحدهما ومنعه ذلك في الآخر ، وإن كان كل واحد منهما
حجة لا يجوز مخالفته ، ويكون الفرق بينهما من وجهين :
أحدهما : أنه مختلف فيه أنه إجماع ، أوليس بإجماع ، وهو خلاف مشهور بين الفقهاء .
والثاني : أنه إجماع قد سبقه اختلاف ، وقد سوغ أهل العصر المتقدم الاجتهاد فيه
وأباحوا فيه الاختلاف ، فساغ الاجتهاد في منع انعقاد الإجماع بعدهم ، والإجماع الذي
يسوغ الاجتهاد في خلافه لا يفسخ به قضاء القاضي ، ولا يكون بمنزلة إجماع أهل عصر لم
يتقدمه خلاف ، فيفسخ قضاء القاضي إذا قضى بخلافه ، لأن هذا إجماع لا يسوغ الاجتهاد
في رده ، ولا نعلم أحدا من الفقهاء يخالف فيه ، وإنما خالف فيه قوم - هم شذوذ عندنا - لا
نعدهم خلافا ، فبان بما وصفنا : ( أنه ) ( 5 ) ليس في منع أبي حنيفة رضي الله عنه فسخ قضاء
الفصول في الأصول — صفحة 340
مساهمون: الجصاص
ص٣٤٠