باب
القول في الخروج عن اختلاف السلف
إذا اختلف أهل عصر في مسألة على أقاويل معلومة ، لم يكن لمن بعدهم : أن يخرج
عن جميع أقاويلهم ، ويبدع قولا لم يقل به أحد ، وهذا معنى ما حكاه هشام ( 1 ) عن محمد في
ذكر أقسام أصول الفقه . فقال : وما اختلف فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما أشبهه يعني : أنه لا
يخرج عن اختلافهم . ( 2 )
والدليل على صحة هذا القول : قول الله تعالى : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) ( 3 )
وقوله تعالى : ( واتبع سبيل من أناب إلى ) ( 4 ) وقوله تعالى : ( يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر ) ، ( 5 ) وقوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) ( 6 ) وهذه صفة أهل كل عصر في
الخروج عن أقاويل الجمع ، اتباع غير سبيل المؤمنين ، ومخالفة من أمرنا الله تعالى بالاقتداء
به ، لأنا قد علمنا بدلالة صحة الإجماع : أن الحق لا يخرج عنهم ، فلو جاز إبداع قول لم يقل
به واحد منهم ، لما أمنا أن يكون هذا القول هو الصواب ، وأن ما قالوه خطأ ، فيوجب ذلك
جواز إجماعهم على الخطأ ، وذلك مأمون وقوعه منهم .
فإن قال قائل : ما ذكرت ( لا ) ( 7 ) يلزم القائلين : أن كل مجتهد مصيب ، وأن الحق في
جميع أقاويل المختلفين ، لأنه لا يمنع عندهم أن يكون هؤلاء مصيبين ، ومن يقول بخلاف
قولهم أيضا مصيبا ، إذا كانوا حين اختلفوا فقد سوغوا الاجتهاد في طلب الحكم .
قيل له : ما ذكرت من مذهب من يقول : إن كل مجهد مصيب : لا يعصم القائل مما
الفصول في الأصول — صفحة 329
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٩