قيل له : أفتعتبر إجماعهم وإن لم يكونوا في هذا العصر من أهل المدينة من
الصحابة . ( 1 )
فإن قال : نعم . قيل له : فاعتبر إجماع أهل الكوفة من التابعين ، وإن لم يكونوا من
أهل المدينة من الصحابة ، فإنهم اخذوا العلم عمن انتقل إليهم من أهل المدينة من
الصحابة .
وأيضا : فليس يخلو إجماع أهل المدينة : من أن تكون صحته متعلقة بالموضع ، أو
بالرجال ذوي العلم منهم ، فإن كان متعلقا بالموضع ، فالموضع موجود ، فيجب اعتبار إجماع
أهل الموضع في سائر الأزمان .
وهذا خلف من القول . ( وإن اعتبر ) ( 2 ) بالرجال دون الموضع ، فإن الذين نزلوا
الكوفة هم عمدة أهل ( علم ) ( 3 ) الدين وأعلامه .
منهم : علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وعمار ، وأبو موسى الأشعري ،
وآخرون ، من ذوي العلم منهم .
وقيل : إنه نزلها من الصحابة ثلاثمائة ونيف ، فيهم سبعون بدريا ، فلم خصصت
بصحة الإجماع من أخذ عمن بقي بالمدينة ؟ دون من أخذ عمن نزل الكوفة وسائر الأمصار ؟
ولخصمك أن يعارضك فيقول : إنما اعتبر إجماع أهل الكوفة ، دون أهل المدينة ،
لأنهم أخذوا عن هؤلاء الذين ذكرناهم ، وهم أعلام الصحابة وعلماؤهم .
فإن قيل : إنما خصصنا أهل المدينة بصحة الإجماع ، لأنها دار السنة ودار الهجرة ،
ولأن سائر الناس عنهم أخذوا ، كما كان إجماع الصحابة حجة على التابعين ، لأنهم عنهم ( 4 )
أخذوا .
قيل له : فتعتبر إجماع ( أهل ) ( 5 ) المدينة من الصحابة الذين ثبتوا بالمدينة ، ولم يخرجوا
الفصول في الأصول — صفحة 323
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٣