هذا ليس بشرط . ألا ترى إلى تحريم نكاح الأمهات والبنات مجمع عليه ، لا يمتنع أحد من
الناس من إطلاق القول : بأن هذا إجماع الأمة ، من غير أن يحكيه ( 1 ) عن كل واحد منهم
به ، إلا ما ظهر وانتشر ( من تحريمهن ) ( 2 ) وترك الباقين الخلاف فيه . فبان بذلك أن شرط
وجود الإجماع . انتشار القول عمن هو من أهل الإجماع ) ( 3 ) مع سماع الباقين ( 4 ) من غير
إظهار نكير ولا مخالفة . ( 5 )
فإن قال قائل : ليس في ترك النكير وعدم إظهار الخلاف دلالة على الوفاق ، لأنه
ليس يمتنع أن يتركوا ( النكير ) ( 6 ) مهابة ، أو تقية ، أو لغير ذلك من الأمور ، فإذا ليس في ترك
إظهار الخلاف دلالة على الموافقة ، كما روى : ( أن عمر سأل الصحابة في قصة المرأة التي
أرسل إليها يدعوها ، ففزعت ، فألقت جنينا ميتا ، فقالوا : إنما أنت مؤدب ، ولم ترد إلا الخير
وما نرى عليك شيئا ، وعلي عليه السلام ساكت ، فقال له : ما تقول أبا الحسن ؟ فقال علي :
إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا ، وإن كانوا قاربوك فقد غشوك ، أرى عليك الدية .
فقال عمر رضي الله عنه : ( أنت صدقتني ) ( 7 ) فقد كان علي ساكتا مضمرا لخلاف
الجماعة ، ولم يكن سلوكه دلالة على الموافقة ، ولم يستدل عمر أيضا بسكوته على الموافقة .
ذكر عبيد الله بن عبد الله ، ( 8 ) عن ابن عباس : أنه ( ذكر ) ( 9 ) مسألة العدل ، واحتج :
الفصول في الأصول — صفحة 286
مساهمون: الجصاص
ص٢٨٦