بعدهم ، وجميع ما استدللنا به من السنة على صحة الإجماع يوجب صحة إجماع سائر أهل
الأعصار ، لأنه لا يخصص في أمره إيانا بلزوم الجماعة جماعة من الأمة دون غيرها ، بل عم
سائر الجماعات به ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تجتمع أمتي على ضلال ) لأن قوله : ( لا تجتمع أمتي
على ضلال ) لا يخلو من أن يكون المراد به من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مع من جاء بعدهم إلى
أن تقوم الساعة ، ولا يجتمعون على ضلال .
أو أن يريد به أهل كل عصر على الانفراد ، أو أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم مع من حدث
بعدهم إلى أن تقوم القيامة ، وأنهم باجتماعهم لا يجتمعون على ضلال ، لأنه معلوم أن أهل
عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا على ضلال ، ولم يكن لضم أهل الأعصار إليهم في نفي اجتماع
الجميع على ضلال معنى ولا فائدة ، علمنا أن مراده : أن أهل كل عصر لا يقع منهم اجتماع
على ضلال .
ولا يجوز الاقتصار على عصر النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، لأن فيه تخصيصا بلا دلالة ،
وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تجتمع أمتي على ضلال ) قد نفي به أن يضل كل أهل عصر بضلال واحد .
ونفي به أيضا أن يضلوا كلهم ، بأن يضل كل طائفة منهم بضرب من الضلال غير
ضلالة الطائفة الأخرى .
هذا كله منتف بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تجتمع أمتي على ضلال ) وإفادته أن طائفة منهم لا تزال
متمسكة بالحق إلى وقت حدوث أشراط الساعة ، وزوال التكليف .
فإن قيل : كيف يصح لكم القول بإجماع أهل الأعصار مع ما روى عن أبي حنيفة
أنه قال : إذا ( اجتمعت الصحابة على شئ سلمناه لهم ، وإذا اجتمع التابعون
زاحمناهم ) ( 1 ) وأبو حنيفة لم يكن من التابعين ، ولم يعتد بإجماع التابعين في لزوم صحته له ولأهل
عصره .
قيل له : أما أبو حنيفة فهو تابعي قد أدرك فيما يحكى ( أربعة ) ( 2 ) من الصحابة : أنسا
الفصول في الأصول — صفحة 273
مساهمون: الجصاص
ص٢٧٣