على فاعل شئ مما يدل العقل على قبحه : من نحو الظلم والكفر . ( 1 )
قال أبو بكر : ونقول : إن حكم الأشياء في العقل قبل مجئ السمع : ثلاثة أنحاء .
منها : واجب لا يجوز فيه التغيير ( والتبديل ) ( 2 ) نحو : الإيمان بالله وشكر المنعم ،
ووجوب الإنصاف .
ومنها : ما هو قبيح لنفسه ، محظور ، لا يتبدل ، ولا يتغير عن حاله ، نحو : الكفر ،
والظلم ، فلا يختلف حكمه على المكلفين .
ومنها ما هو ذو جواز ( 3 ) في العقل : يجوز إباحته تارة ، وحظره أخرى ، وإيجابه أخرى ،
على حسب ما يتعلق بفعله من منافع المكلفين ومضارهم .
فما ( 4 ) لم يكن من القسمين الأولين فهو قبل مجئ السمع على الإباحة ، ما لم يكن فيه
ضرر أكثر مما يجتلب ( 5 ) بفعله من النفع ، ويجوز مجئ السمع تارة بحظره ، وتارة بإباحته ،
وأخرى بإيجابه ، على حسب المصالح . ( 6 )
والدليل على إباحة ما وصفنا لفاعلها من المكلفين : أنه معلوم أنها مخلوقة لمنافع
المكلفين ، وذلك لأن خلقها لا يخلو من أحد أربعة معان .
إما : أن يكون الله تعالى خلقها لا لينفع أحدا ، وهذا عبث وسفه ، والله تعالى منزه
عنه ، أو يكون خلقها ليضربها من غير نفع ، وهذا أشنع وأقبح ، ولا يجوز فعله على الله
تعالى ، أو أن يكون خلقها لمنافع نفسه ، وذلك محال ، لأنه لا يلحقه المنافع و ( لا ) ( 7 ) المضار .
فثبت أنه خلقها لمنافع المكلفين ، فوجب أن يكون لهم الانتفاع بها على أي وجه يأتي لهم
ذلك منها ، ما لم يؤد ( 8 ) إلى ضرر أعظم مما يجتلب به من النفع .
الفصول في الأصول — صفحة 248
مساهمون: الجصاص
ص٢٤٨