إلى قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 1 ) فكان داود ممن أمر نبيكم أن
يقتدي به ، فسجدها داود عليه السلام ، وسجدها محمد صل الله عليه وسلم ( 2 )
فإن قال قائل : ليس فيما دللت ( 3 ) من هذه الآيات دلالة على ما ذكرت من وجوه .
أحدها : قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى ( 4 ) الله فبهداهم اقتده ) راجع إلى ما تقدم ذكره
ممن الاستدلال على التوحيد ، لأنه تعالى قد ذكر استدلال إبراهيم صلوات الله عليه على
التوحيد لقوله تعالى : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ) ( 5 ) ثم قال تعالى في
سياق الخطاب : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) ( 6 ) ثم ساق القصة إلى قوله
تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 7 ) يعني في الاستدلال على الله تعالى ،
واستعمال النظر المؤدي إلى معرفته ، فلا دلالة فيه إذا على لزوم الاقتداء به في غيره من
شرائع مثله ، التي يجوز أن يختلف أحكام الأمم فيها .
ومن جهة أخرى : أنه ذكر آباءهم وذرياتهم وإخوانهم ، ولم يكونوا كلهم أنبياء ذوي
شرائع ، وقد أمر باقتدائهم ، فدل على أن المراد ما تساوى الجميع في تكليفه : من التوحيد ،
وتصديق الرسل عليهم السلام ، ونحوه ، من موجبات أحكام العقول .
ووجه آخر : أن شرائعهم كانت مختلفة ، وغير جائز أن يأمره بالاقتداء بهم في شرائعهم
مع اختلافها ، لاستحالة التكليف بها على هذا الوجه ، فثبت أن الاقتداء مقصور على ما لا
يصح الاختلاف فيه في الأزمان .
ومن جهة أخرى : لا يمتنع أن يكون قد كان في شريعة كل نبي منهم الناسخ
والمنسوخ ، ومعلوم أنه لا يصح تكليف الحكم الناسخ والمنسوخ معا ، فعلم أن المراد ما لا
يجوز نسخه وتبديله مما في العقول إيجابه ، وقد قال تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة
الفصول في الأصول — صفحة 24
مساهمون: الجصاص
ص٢٤