وروي جماعة غيره عن النبي عليه السلام أنه قال : ( أدوا صدقة الفطر على كل حر
وعبد ، صغير وكبير ) . ( 1 )
ولم يذكر فيه المسلمين ، فهذان الخبران كل واحد منهما غير الآخر ، فهما مستعملان
جميعا ، ولا يجوز لنا حمل الخبر المطلق على الخبر المقيد بشرط الإسلام ، لأن ظاهر ما وصفنا
أن النبي عليه السلام قد قال هذا مرة وهذا مرة .
ونظيره أيضا : ما روى ابن عباس : ( أن النبي عليه السلام نهى عن بيع الطعام حتى
يقبض ) .
وروي في أخبار أخر من غير جهة ابن عباس : ( أن النبي عليه السلام نهى عن بيع
ما لم يقبض ) ( 2 ) فاستعمل الخبرين ، ولم يحمل الأمر على أنهما خبر واحد حذف منه بعض
الرواة ذكر الزيادة .
ألا ترى : أن النبي عليه السلام قد أمر عتاب بن أسيد ( 1 ) مبتدأ القول مطلقا حين
بعثه إلى مكة ، فقال : ( انههم عن أربع : بيع ما لم يقبض ، وربح ما لم يضمن ، وعن بيع
وسلف ، وعن شرطين في بيع ) ( 2 ) فدل على أنهما خبران قد قالهما النبي صلى الله عليه وسلم في وقتين .
فإن قيل : قد روي عن النبي عليه السلام : ( مسح ببعض رأسه ) ، وفي خبر آخر أنه
( مسح بجميع رأسه ، فهلا أثبت الزيادة ) .
قيل له : هذه الزيادة ثابتة عندنا ، إلا أنه على وجه الندب ، لأن النبي عليه السلام لا
يترك المفروض بحال . ويجوز أن يفعل المندوب في حال ، ويتركه في آخر ، فيقتصر على
المقدار المفروض على وجه التعليم ، وإذا روى بعض الصحابة حديثا رفعه إلى النبي عليه
السلام ، ثم روي ذلك الحديث عن ذلك الصحابي موقوفا عليه ( 3 ) فإن ذلك عندنا غير
مفسد لرواية من رواه مرفوعا ، ( 4 ) بل هو مما يؤكد روايته التي رواها عن النبي عليه السلام ،
الفصول في الأصول — صفحة 178
مساهمون: الجصاص
ص١٧٨