تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول المهمة في تأليف الأمة — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
إرادة القيام بأمر الناس مخافة البائقة وفساد العاجلة والآجلة ، والقلوب على ما وصفنا والمنافقون على ما ذكرنا ، يعضون عليهم الأنامل من الغيظ وأهل الردة على ما بينا والأنصار قد خالفوا المهاجرين ، وانحازوا عنهم يقولون منا أمير ومنكم أمير و . و . فدعاه النظر للدين إلى الكف عن الاظهار والتجافي عن الأمور ، وعلم أن طلب الخلافة والحال هذه يستوجب التغرير في الدين والخطر بالأمة فاختار الكف ضنا بالدين وإيثارا للآجلة على العاجلة . غير أنه قعد في بيته ( ولم يبايع حتى أخرجوه كرها ) احتفاظا بحقه واحتجاجا على من عدل عنه ، ولو أسرع إلى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان ، ولكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من إمرة المؤمنين ، فدل ذلك على أصالة رأيه ورجاحة علمه وسعة صدره وشدة زهده وفرط سماحه وقلة حرصه ، ومتى سخت نفس امرئ عن هذا الخطب الجليل والأمر الجزيل ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين ، وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له وأعود المقصودين عليه . أما الخليفة الأول وأتباعه رضي الله تعالى عنهم أجمعين فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها ، ولا عجب منه في ذلك بعد الذي نبهناك إليه من عدم تعبدهم بما كان من نصوصه صلى الله عليه وآله وسلم ، متعلقا بالسياسات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة وتقرير شؤون المملكة وإليك مضافا إلى ما تلوناه نبذة من موارد تأولهم تكون نموذجا لرأيهم في تلك النصوص ، وحسبك بها أدلة على معذرة المتأولين ، وهي كثيرة : فمنها سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى غزو الروم ، وهي آخر السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وآله ، وقد اهتم فيها بأبي هو وأمي اهتماما عظيما ، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهافا لعزائمهم واستنهاضا لهممهم ، فلم يبق أحدا من وجوه المهاجرين