كلمة تنجيكم من الإشراك بالله تقرؤون ( قل يا أيها الكافرون ) عند منامكم " . وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن
خباب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إذا أخذت مضجعك فاقرأ ( قل يا أيها الكافرون ) وإن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم لم يأت فراشه قط إلا قرأ ( قل يا أيها الكافرون ) حتى يختم " . وأخرج ابن مردويه عن زيد بن
أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من لقي الله بسورتين فلا حساب عليه ( قل يا أيها الكافرون )
و ( قل هو الله أحد ) " . وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي مسعود الأنصاري قال : من قرأ
( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد ) في ليلة فقد أكثر وأطاب .
سورة الكافرون ( 1 - 6 )
الألف واللام في ( يا أيها الكافرون ) للجنس ، ولكنها لما كانت الآية خطابا لمن سبق في علم الله أنه يموت
على كفره كان المراد بهذا العموم خصوص من كان كذلك ، لأن من الكفار عند نزول هذه الآية من أسلم وعبد الله
سبحانه . وسبب نزول هذه السورة أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعبد آلهتهم سنة
ويعبدوا إلهه سنة ، فأمره الله سبحانه أن يقول لهم ( لا أعبد ما تعبدون ) أي لا أفعل ما تطلبون مني من عبادة ما تعبدون
من الأصنام ، قيل والمراد فيما يستقبل من الزمان لأن لا النافية لا تدخل في الغالب إلا على المضارع الذي في معنى
الاستقبال ، كما أن ما لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) أي ولا أنتم فاعلون
في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) أي ولا أنا قط فيما سلف عابد ما عبدتم فيه ،
والمعنى : أنه لم يعهد مني ذلك ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) أي وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته ،
كذا قيل ، وهذا على قول من قال إنه لا تكرار في هذه الآيات لأن الجملة الأولى لنفى العبادة في المستقبل لما قدمنا
من أن " لا " لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال ، والدليل على ذلك أن لن تأكيد لما تنفيه لا . قال الخليل
في لن : إن أصله لا ، فالمعنى : لا أعبد ما تعبدون في المستقبل ، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أطلبه من عبادة
إلهي . ثم قال ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) أي ولست في الحال بعابد معبودكم ، ولا أنتم في الحال بعابدين معبودي ،
وقيل بعكس هذا ، وهو أن الجملتين الأوليين للحال ، والجملتين الأخريين للاستقبال بدليل قوله ( ولا أنا عابد
ما عبدتم ) كما لو قال القائل : أنا ضارب زيدا ، وأنا قاتل عمرا ، فإنه لا يفهم منه إلا الاستقبال . قال الأخفش
والفراء : المعنى لا أعبد الساعة ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد ، ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم ،
ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد . قال الزجاج : نفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه السورة عبادة
آلهتهم عن نفسه في الحال وفيما يستقبل ، ونفى عنهم عبادة الله في الحال وفيما يستقبل . وقيل إن كل واحد منهما
يصلح للحال والاستقبال ، ولكنا نخص أحدهما بالحال ، والثاني بالاستقبال رفعا للتكرار . وكل هذا فيه من
التكلف والتعسف مالا يخفي على منصف ، فإن جعل قوله : ولا أعبد ما تعبدون للاستقبال ، وإن كان صحيحا على
فتح القدير — صفحة 506
مساهمون: الشوكاني
ص٥٠٦