الغبار ، والجمع أنقاع ، والنقع محبس الماء ، وكذلك ما اجتمع في البئر منه ، والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع
فيها الماء ( فوسطن به جمعا ) أي توسطن بذلك الوقت ، أو توسطن ملتبسات بالنقع جمعا من جموع الأعداء ، أو
صرن بعدوهن وسط جمع الأعداء ، والباء إما للتعدية ، أو للحالية ، أو زائدة ، يقال : وسطت المكان : أي
صرت في وسطه ، وانتصاب جمعا على أنه مفعول به ، والفاآت في المواضع الأربعة للدلالة على ترتب ما بعد كل
واحدة منها على ما قبلها . قرأ الجمهور " فوسطن " بتخفيف السين ، وقرئ بالتشديد ( إن الإنسان لربه لكنود ) هذا
جواب القسم ، والمراد بالإنسان بعض أفراده ، وهو الكافر ، والكنود : الكفور للنعمة ، وقوله " لربه " متعلق
بكنود ، قدم لرعاية الفواصل ، ومنه قول الشاعر :
كنود لنعماء الرجال ومن يكن * كنودا لنعماء الرجال يبعد
أي كفور لنعماء الرجال ، وقيل هو الجاحد للحق ، قيل إنها إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها . وقيل
الكنود مأخوذ من الكند ، وهو القطع ، كأنه قطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر . يقال كند الحبل : إذا قطعه ،
ومنه قول الأعشى : وصول حبال وكنادها * وقيل الكنود البخيل ، وأنشد أبو زيد :
إن نفسي لم تطب منك نفسا * غير أني أمسي بدين كنود
وقيل الكنود الحسود ، وقيل الجهول لقدره ، وتفسير الكنود بالكفور للنعمة أولى بالمقام ، والجاحد للنعمة
كافر لها ، ولا يناسب المقام سائر ما قيل ( وإنه على ذلك لشهيد ) أي وإن الإنسان على كنوده لشهيد يشهد على
نفسه به لظهور أثره عليه ، وقيل المعنى : وإن الله جل ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد ، وبه قال الجمهور .
وقال بالأول الحسن وقتادة ومحمد بن كعب ، وهو أرجح من قول الجمهور لقوله ( وإنه لحب الخير لشديد )
فإن الضمير راجع إلى الإنسان ، والمعنى : إنه لحب المال قوي مجد في طلبه وتحصيله متهالك عليه ، يقال هو
شديد لهذا الأمر وقوي له : إذا كان مطيقا له ، ومنه قوله تعالى - إن ترك خيرا - ومنه قول عدي بن حاتم :
ماذا ترجي النفوس من طلب الخير * وحب الحياة كاذبها
وقيل المعنى : وإن الإنسان من أجل حب المال لبخيل ، والأول أولى . واللام في " لحب " متعلقة بشديد .
قال ابن زيد : سمى الله المال خيرا ، وعسى أن يكون شرا ، ولكن الناس يجدونه خيرا ، فسماه خيرا . قال الفراء :
أصل نظم الآية أن يقال : وإنه لشديد الحب للخير ، فلما قدم الحب قال : لشديد ، وحذف من آخره ذكر
الحب ، لأنه قد جرى ذكره ، ولرءوس الآي كقوله - في يوم عاصف - والعصوف للريح لا لليوم ، كأنه قال :
في يوم عاصف الريح ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ) الاستفهام للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه
المقام : أي يفعل ما يفعل من القبائح فلا يعلم ، وبعثر معناه نثر وبحث : أي نثر ما في القبور من الموتى وبحث
عنهم وأخرجوا . قال أبو عبيدة : بعثرت المتاع جعلت أسفله أعلاه . قال الفراء : سمعت بعض العرب من بني
أسد يقول : بحثر بالحاء مكان العين ، وقد تقدم الكلام على هذا في قوله - وإذا القبور بعثرت - ( وحصل ما في
الصدور ) أي ميز وبين ما فيها من الخير والشر ، والتحصيل التمييز ، كذا قال المفسرون ، وقيل حصل أبرز .
قرأ الجمهور " حصل " بضم الحاء وتشديد الصاد مكسورا مبنيا للمفعول . وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير
ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم حصل بفتح الحاء والصاد وتخفيفها مبنيا للفاعل : أي ظهر ( إن ربهم بهم يومئذ
لخبير ) أي إن رب المبعوثين بهم لخبير لا تخفى عليه منهم خافية فيجازيهم بالخير خيرا ، وبالشر شرا . قال
فتح القدير — صفحة 483
مساهمون: الشوكاني
ص٤٨٣