لقصد التفخيم كأنه قال : والقادر العظيم الشأن الذي بناها . ورجح الأول الفراء والزجاج ، ولا وجه لقول من
قال : إن جعلها مصدرية مخل بالنظم . ورجح الثاني ابن جرير ( والأرض وما طحاها ) الكلام في " ما " هذه كالكلام
في التي قبلها ، ومعنى طحاها بسطها ، كذا قال عامة المفسرين ، كما في قوله ( دحاها ) قالوا : طحاها ودحاها
واحد : أي بسطها من كل جانب ، والطحو البسط ، وقيل معنى طحاها قسمها ، وقيل خلقها ، ومنه قول الشاعر :
وما يدري جذيمة من طحاها * ولا من ساكن العرش الرفيع
والأول أولى . والطحو أيضا : الذهاب . قال أبو عمرو بن العلاء : طحا الرجل : إذا ذهب في الأرض ، يقال
ما أدرى أين طحا ؟ ويقال طحا به قلبه : إذا ذهب به ، ومنه قول الشاعر :
طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب
( ونفس وما سواها ) الكلام في " ما " هذه كما تقدم ، ومعنى سواها خلقها وأنشأها وسوى أعضاءها . قال
عطاء : يريد جميع ما خلق من الجن والإنس ، والتنكير للتفخيم ، وقيل المراد نفس آدم ( فألهمها فجورها وتقواها )
أي عرفها وأفهمها حالهما وما فيهما من الحسن والقبح . قال مجاهد : عرفها طريق الفجور والتقوى والطاعة
والمعصية . قال الفراء : فألهمها عرفها طريق الخير وطريق الشر ، كما قال - وهديناه النجدين - . قال محمد بن
كعب : إذا أراد الله بعبده خيرا ألهمه الخير فعمل به ، وإذا أراد به الشر ألهمه الشر فعمل به ، قال ابن زيد : جعل
فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى ، وخذلانه إياها للفجور ، واختار هذا الزجاج ، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان .
قال الواحدي : وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام فإن التبيين والتعليم والتعريف دون الإلهام ، والإلهام أن يوقع في
قلبه ويجعل فيه ، وإذا أوقع الله في قلب عبده شيئا ألزمه ذلك الشئ . قال : وهذا صريح في أن الله خلق في
المؤمن تقواه ، وفي الكافر فجوره ( قد أفلح من زكاها ) أي قد فاز من زكى نفسه وأنماها وأعلاها بالتقوى بكل
مطلوب وظفر بكل محبوب ، وقد قدمنا أن هذا جواب القسم على الراجح ، وأصل الزكاة : النمو والزيادة ،
ومنه زكا الزرع : إذا كثر ( وقد خاب من دساها ) أي خسر من أضلها وأغواها . قال أهل اللغة : دساها أصله دسسها ،
من التدسيس ، وهو إخفاء الشئ في الشئ ، فمعنى دساها في الآية : أخفاها وأخملها ولم يشهرها بالطاعة والعمل
الصالح ، وكانت أجواد العرب تنزل الأمكنة المرتفعة ليشتهر مكانها فيقصدها الضيوف ، وكانت لئام العرب تنزل
الهضاب والأمكنة المنخفضة ليخفى مكانها عن الوافدين . وقيل معنى دساها : أغواها ، ومنه قول الشاعر :
وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت * حلائله منه أرامل ضيعا
وقال ابن الأعرابي ( وقد خاب من دساها ) أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم ( كذبت ثمود
بطغواها ) الطغوى : اسم من الطغيان كالدعوى من الدعاء . قال الواحدي : قال المفسرون : كذبت ثمود بطغيانها
أي الطغيان حملتهم على التكذيب ، والطغيان مجاوزة الحد في المعاصي ، والباء للسببية . وقيل كذبت ثمود بطغواها
أي بعذابها الذي وعدت به ، وسمى العذاب طغوى لأنه طغى عليهم فتكون الباء على هذا للتعدية . وقال محمد بن
كعب : بطغواها : أي بأجمعها . قرأ الجمهور " بطغواها " بفتح الطاء . وقرأ الحسن والجحدري ومحمد بن كعب
وحماد بن سلمة بضم الطاء ، فعلى القراءة الأولى هو مصدر بمعنى الطغيان ، وإنما قلبت الياء والواو للفرق بين الاسم
والصفة لأنهم يقلبون الياء في الأسماء كثيرا نحو تقوى وسروى ، وعلى القراءة الثانية هو مصدر كالرجعي والحسنى
ونحوهما ، وقيل هما لغتان ( إذ انبعث أشقاها ) العامل في الظرف كذبت ، أو بطغواها : أي حين قام أشقى ثمود ،
وهو قدار بن سالف فعقر الناقة ، ومعنى انبعث : انتدب لذلك وقام به ، يقال بعثته على الأمر فانبعث له ، وقد
فتح القدير — صفحة 449
مساهمون: الشوكاني
ص٤٤٩