لاغية . وقرأ نافع بالفوقية مضمومة مبنيا للمفعول ورفع لاغية : وقرأ الفضل والجحدري بفتح التحتية مبنيا للفاعل
ونصب لاغية ، واللغو الكلام الساقط . قال الفراء والأخفش : أي لا تسمع فيها كلمة لغو . قيل المراد بذلك
الكذب والبهتان والكفر قاله قتادة : وقال مجاهد : أي الشتم . وقال الفراء : لا تسمع فيها حالفا يحلف بكذب .
وقال الكلبي : لا تسمع في الجنة حالفا بيمين بزة ولا فاجرة . وقال الفراء أيضا : لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة
تلغى لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم ، وهذا أرجح الأقوال لأن النكرة
في سياق النفي من صيغ العموم ، ولا وجه لتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص إلا بمخصص يصلح للتخصيص ،
ولاغية إما صفة موصوف محذوف : أي كلمة لاغية ، أو نفس لاغية ، أو مصدر : أي لا تسمع فيها لغوا ( فيها
عين جارية ) قد تقدم في سورة الإنسان أن فيها عيونا ، والعين هنا بمعنى العيون كما في قوله - علمت نفس -
ومعنى جارية أنها تجري مياهها وتتدفق بأنواع الأشربة المستلذة . قال الكلبي : لا أدري بماء أو بغيره ( فيها سرر
مرفوعة ) أي عالية مرتفعة السمك ، أو عالية القدر ( وأكواب موضوعة ) قد تقدم أن الأكواب جمع كوب ،
وأنه القدح الذي لا عروة له ، ومعنى موضوعة : أنها موضوعة بين أيديهم يشربون منها ( ونمارق مصفوفة )
النمارق : الوسائد . قال الواحدي : في قول الجميع ، واحدتها نمرقة بضم النون ، وزاد الفراء سماعا عن العرب
نمرقة بكسرها . قال الكلبي : وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض ، ومنه قول الشاعر :
وإنا لنجري الكأس بين شروبنا * وبين أبي قابوس فوق النمارق
وقال الآخر : كهول وشبان حسان وجوههم * على سرر مصفوفة ونمارق
قال في الصحاح : النمرق والنمرقة وسادة صغيرة ، وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب ( وزرابي مبثوثة )
يعني البسط ، واحدها زربى وزربية . قال أبو عبيدة والفراء : الزرابي الطنافس التي لها خمل رقيق ، واحدها
زربية ، والمبثوثة المبسوطة قاله قتادة . وقال عكرمة : بعضها فوق بعض . قال الواحدي : ويجوز أن يكون
المعنى : أنها مفرقة في المجالس . وبه قال القتيبي : وقال الفراء : معنى مبثوثة كثيرة ، والظاهر أن معنى البث :
التفرق مع كثرة ، ومنه - وبث فيها من كل دابة - ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) الاستفهام للتقريع
والتوبيخ ، والفاء للعطف على مقدر كما في نظائره مما مر غير مرة ، والجملة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال
عليه ، وكذا ما بعدها ، وكيف منصوبة بما بعدها ، والجملة في محل جر على أنها بدل اشتمال من الإبل ، والمعنى :
أينكرون أمر البعث ويستبعدون وقوعه ، أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي غالب مواشيهم وأكبر ما يشاهدونه من
المخلوقات ( كيف خلقت ) على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها ومزيد قوتها وبديع أوصافها . قال
أبو عمرو بن العلاء : إنما خص الإبل لأنها من ذوات الأربع تبرك فتحمل عليها الحمولة ، وغيرها من ذوات
الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم : قال الزجاج : نبههم على عظيم من خلقه قد ذلله للصغير يقوده وينيخه وينهضه
ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك ، فينهض بثقل حمله ، وليس ذلك في شئ من الحوامل غيره ، فأراهم
عظيما من خلقه ليدل بذلك على توحيده . وسئل الحسن عن هذه الآية ، وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة ، فقال :
أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به ، ثم هو خنزير لا يركب ظهره ولا يؤكل لحمه ولا يحلب دره ، والإبل من أعز
مال العرب وأنفسه ، تأكل النوى وألقت وتخرج اللبن ويأخذ الصبي بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها
في نفسها . وقال المبرد : الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب ، وهو خلاف ما ذكره أهل التفسير واللغة .
فتح القدير — صفحة 430
مساهمون: الشوكاني
ص٤٣٠