من يخشى ) أي سيتعظ بوعظك من يخشى الله فيزداد بالتذكير خشية وصلاحا ( ويتجنبها الأشقى ) أي ويتجنب
الذكرى ويبعد عنها الأشقى من الكفار لإصراره على الكفر بالله وانهماكه في معاصيه . ثم وصف الأشقى فقال
( الذي يصلى النار الكبرى ) أي العظيمة الفظيعة ، لأنها أشد حرا من غيرها . قال الحسن : النار الكبرى نار جهنم ،
والنار الصغرى نار الدنيا . وقال الزجاج : هي السفلى من أطباق النار ( ثم لا يموت فيها ولا يحيى ) أي لا يموت فيها
فيستريح مما هو فيه من العذاب ، ولا يحيا حياة ينتفع بها ، ومنه قول الشاعر :
ألا ما لنفس لا تموت فينقضي * عناها ولا تحيا حياة لها طعم
وثم للتراخي في مراتب الشدة ، لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من صلى النار الكبرى ( قد أفلح من
تزكى ) أي من تطهر من الشرك فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه . قال عطاء والربيع : من كان عمله زاكيا ناميا .
وقال قتادة : تزكى بعمل صالح . قال قتادة وعطاء وأبو العالية : نزلت في صدقة الفطر . قال عكرمة : كان
الرجل يقول : أقدم زكاتي بين يدي صلاتي . وأصل الزكاة في اللغة النماء . وقيل المراد بالآية زكاة الأموال كلها ،
وقيل المراد بها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال ، لأن الأكثر أن يقال في الأموال زكى لا تزكى ( وذكر اسم ربه
فصلى ) قيل المعنى : ذكر اسم ربه بالخوف فعبده وصلى له ، وقيل ذكر اسم ربه بلسانه فصلى : أي فأقام الصلوات
الخمس ، وقيل ذكر موقفه ومعاده فعبده ، وهو كالقول الأول . وقيل ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة
لأنها لا تنعقد إلا بذكره ، وهو قوله - الله أكبر - وقيل ذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى ، وقيل هو أن يتطوع
بصلاة بعد زكاة ، وقيل المراد بالصلاة هنا صلاة العيد ، كما أن المراد بالتزكي في الآية الأولى زكاة الفطر ، ولا
يخفى بعد هذا القول لأن السورة مكية ، ولم تفرض زكاة الفطر وصلاة العيد إلا بالمدينة ( بل تؤثرون الحياة الدنيا )
هذا إضراب عن كلام مقدر يدل عليه السياق : أي لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية في الدنيا ، قرأ
الجمهور " تؤثرون " بالفوقية على الخطاب ، ويؤيدها قراءة أبي " بل أنتم تؤثرون " وقرأ أبو عمرو بالتحتية على
الغيبة . قيل والمراد بالآية الكفرة ، والمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا بها والاطمئنان إليها والإعراض عن الآخرة
بالكلية ، وقيل المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر ، والمراد بإيثارها ما هو أعم من ذلك مما لا يخلو عنه غالب
الناس من تأثير جانب الدنيا على الآخرة ، والتوجه إلى تحصيل منافعها والاهتمام بها اهتماما زائدا على اهتمامه بالطاعات
وجملة ( والآخرة خير وأبقى ) في محل نصب على الحال من فاعل تؤثرون : أي والحال أن الدار الآخرة التي هي
الجنة أفضل وأدوم من الدنيا . قال مالك بن دينار : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى
لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى ، فكيف والآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من خزف يفنى ؟
والإشارة بقوله ( إن هذا ) إلى ما تقدم من فلاح من تزكى وما بعده ، وقيل إنه إشارة إلى جميع السورة ، ومعنى
( لفي الصحف الأولى ) أي ثابت فيها ، وقوله ( صحف إبراهيم وموسى ) بدل من الصحف الأولى . قال قتادة
وابن زيد : يريد بقوله ( إن هذا ) والآخرة خير وأبقى . وقالا : تتابعت كتب الله عز وجل أن الآخرة خير وأبقى
من الدنيا . وقال الحسن : تتابعت كتب الله جل ثناؤه إن هذا لفي الصحف الأولى ، وهو قوله ( قد أفلح ) إلى
آخر السورة . قرأ الجمهور " في الصحف الأولى صحف إبراهيم " بضم الحاء في الموضعين ، وقرأ الأعمش وهارون
وأبو عمرو في رواية عنه بسكونها فيهما ، وقرأ الجمهور " إبراهيم " بالألف بعد الراء وبالياء بعد الهاء . وقرأ أبو رجاء
بحذفهما وفتح الهاء ، وقرأ أبو موسى وابن الزبير إبراهام بألفين .
فتح القدير — صفحة 425
مساهمون: الشوكاني
ص٤٢٥