والثاني بالتحتية . قال الضحاك : أيضا ( كلا سيعلمون ) يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم ( ثم كلا سيعلمون ) يعني
المؤمنين عاقبة تصديقهم ، وقيل بالعكس ، وقيل هو وعيد بعده وعيد ، وقيل المعنى ( كلا سيعلمون ) عند
النزع ، ( ثم كلا سيعلمون ) عند البعث . ثم ذكر سبحانه بديع صنعه وعظيم قدرته ليعرفوا توحيده ويؤمنوا بما
جاء به رسوله فقال ( ألم نجعل الأرض مهادا . والجبال أوتادا ) أي قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا
على الإعادة بالبعث ، والمهاد الوطاء والفراش كما في قوله - الذي جعل لكم الأرض فراشا - قرأ الجمهور " مهادا "
وقرأ مجاهد وعيسى وبعض الكوفيين " مهدا " والمعنى : أنها كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه . والأوتاد
جمع وتد : أي جعلنا الجبال أوتادا للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرسي الخيام بالأوتاد ، وفي هذا دليل على أن
التساؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث ، لا عن القرآن ، ولا عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما قيل ،
لأن هذا الدليل إنما يصلح للاستدلال به على البعث ( وخلقناكم أزواجا ) معطوف على المضارع المنفي داخل في
حكمه ، فهو في قوة أما خلقناكم ، والمراد بالأزواج هنا الأصناف : أي الذكور والإناث ، وقيل المراد بالأزواج
الألوان ، وقيل يدخل في هذا كل زوج من المخلوقات من قبيح وحسن وطويل وقصير ( وجعلنا نومكم سباتا )
أي راحة لأبدانكم . قال الزجاج : السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه : أي جعلنا نومكم راحة لكم .
قال ابن الأنباري : جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم ، لأن أصل السبت القطع ، وقيل أصله التمدد ، يقال سبتت المرأة
شعرها : إذا حلته وأرسلته ، ورجل مسبوت الخلق : أي ممدودة ، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدد ،
فسمى النوم سباتا ، وقيل المعنى : وجعلنا نومكم موتا ، والنوم أحد الموتتين ، فالمسبوت يشبه الميت ولكنه لم
تفارقه الروح ، ومنه قول الشاعر :
ومطوية الأقراب أما نهارها * فسبت وأما ليلها فذميل
ومن هذا قوله - الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها - الآية ، وقوله - وهو الذي يتوفاكم
بالليل - ( وجعلنا الليل لباسا ) أي نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما يغشيكم اللباس . وقال سعيد بن جبير والسدي :
أي سكنا لكم ، وقيل المراد به ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه ، وهو بعيد ، لأن الجعل وقع على الليل ،
لا على ما يستتر به النائم عند نومه ( وجعلنا النهار معاشا ) أي وقت معاش ، والمعاش العيش ، وكل شئ يعاش به
فهو معاش ، والمعنى : أن الله جعل لهم النهار مضيئا ليسعوا فيما يقوم به معاشهم وما قسمه الله لهم من الرزق ( وبنينا
فوقكم سبعا شدادا ) يريد سبع سماوات قوية الخلق محكمة البناء ، ولهذا وصفها بالشدة وغلظ كل واحدة منها
مسيرة خمسمائة عام كما ورد ذلك ( وجعلنا سراجا وهاجا ) المراد به الشمس ، وجعل هنا بمعنى خلق ، وهكذا قوله
( وجعلنا نومكم سباتا ) وما بعده ، لأن هذه الأفعال قد تعدت إلى مفعولين فلا بد من تضمينها معنى فعل يتعدى
إليهما كالخلق والتصيير ونحو ذلك . وقيل إن الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع في جميع هذه المواضع ، والمراد به
الإنشاء التكويني الذي بمعنى التقدير والتسوية . قال الزجاج : الوهاج الوقاد وهو الذي وهج ، يقال وهجت النار
تهيج وهجا ووهجانا . قال مقاتل : جعل فيه نورا ، حرا ، والوهج يجمع النور والحرارة ( وأنزلنا من المعصرات
ماء ثجاجا ) المعصرات هي السحاب التي ينعصر بالماء ولم تمطر بعد ، كالمرأة المعتصرة التي قد دنا حيضها ، كذا قال
سفيان والربيع وأبو العالية والضحاك . وقال مجاهد ومقاتل وقتادة والكلبي : هي الرياح ، والرياح تسمى
معصرات ، يقال أعصرت الريح تعصر إعصارا : إذا أثارت العجاج . قال الأزهري : هي الرياح ذوات الأعاصير
فتح القدير — صفحة 364
مساهمون: الشوكاني
ص٣٦٤