الشهيد على عباده بأعمالهم الرقيب عليهم . كذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل : يقال هيمن يهيمن فهو مهيمن : إذا كان
رقيبا على الشئ . قال الواحدي : وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصله مؤيمن من آمن يؤمن ، فيكون بمعنى
المؤمن ، والأول أولى ، وقد قدمنا الكلام على المهيمن في سورة المائدة ( العزيز ) الذي لا يوجد له نظير ، وقيل
القاهر ، وقيل الغالب غير المغلوب ، وقيل القوي ( الجبار ) جبروت الله عظمته ، والعرب تسمى الملك الجبار ،
ويجوز أن يكون من جبر إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير ، ويجوز أن يكون من جبره على كذا إذا أكرهه على
ما أراد ، فهو الذي جبر خلقه على ما أراد منهم ، وبه قال السدى ومقاتل ، واختاره الزجاج والفراء ، قال : هو
من أجبره على الأمر : أي قهره . قال : ولم أسمع فعالا من أفعل إلا في جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، وقيل
الجبار الذي لا تطاق سطوته ( المتكبر ) أي الذي تكبر عن كل نقص وتعظم عما لا يليق به ، وأصل التكبر الامتناع
وعدم الانقياد ، ومنه قول حميد بن ثور :
عفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت * بها كبرياء الصعب وهي ذلول
والكبر في صفات الله مدح ، وفي صفات المخلوقين ذم . قال قتادة : هو الذي تكبر عن كل سوء . قال
ابن الأنباري : المتكبر ذو الكبرياء ، وهو الملك ، ثم نزه سبحانه نفسه عن شرك المشركين ، فقال ( سبحان الله
عما يشركون ) أي عما يشركونه أو عن إشراكهم به ( هو الخالق ) أي المقدر للأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته
( البارئ ) أي المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها . وقيل المميز لبعضها من بعض ( المصور ) أي الموجد للصور
المركب لها على هيئات مختلفة ، فالتصوير مترتب على الخلق والبراية وتابع لهما ، ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل
قال النابغة :
الخالق البارئ المصور في * الأرحام ماء حتى يصير دما
وقرأ حاطب بن أبي بلتعة الصحابي المصور بفتح الواو ونصب الراء على أنه مفعول به للبارئ : أي الذي برأ
المصور : أي ميزه ( له الأسماء الحسنى ) قد تقدم بيانها والكلام فيها عند تفسير قوله - ولله الأسماء الحسنى فادعوه
بها - ( يسبح له ما في السماوات والأرض ) أي ينطق بتنزيهه بلسان الحال : أو المقال كل ما فيهما وهو العزيز
الحكيم ) أي الغالب لغيره الذي لا يغالبه مغالب ، الحكيم في كل الأمور التي يقضى بها .
وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ، في قوله ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ) قال : يقول لو
أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله ، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم
القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع . قال : كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون . وأخرج
الديلمي عن ابن مسعود وعلي مرفوعا في قوله ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ) إلى آخر السورة قال : هي رقية
الصداع . رواه الديلمي بإسنادين لا ندري كيف حال رجالهما . وأخرج الخطيب في تاريخه بإسناده إلى إدريس
ابن عبد الكريم الحداد قال : قرأت على خلف ، فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك ، فإني قرأت
على حمزة فلما بلغت هذه الآية قال : ضع يدك على رأسك فإني قرأت على الأعمش ثم ساق الإسناد مسلسلا هكذا
إلى ابن مسعود فقال : فإني قرأت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما بلغت هذه الآية قال لي : ضع يدك على
رأسك ، فإن جبريل لما نزل بها قال لي ضع يدك على رأسك - فإنها شفاء من كل داء إلا السام ، والسام الموت . قال
الذهبي : هو باطل . وأخرجه ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فتح القدير — صفحة 208
مساهمون: الشوكاني
ص٢٠٨