الوارث ، ولا يبقى لهم منه شئ ، وهذا أدخل في التوبيخ وأكمل في التقريع ، فإن كون تلك الأموال تخرج عن
أهلها وتصير لله سبحانه ولا يبقى أحد من مالكيها أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من كونها لله في الحقيقة ، وهم
خلفاؤه في التصرف فيها . ثم بين سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال ( لا يستوى منكم من أنفق من
قبل الفتح ) قيل المراد بالفتح فتح مكة ، وبه قال أكثر المفسرين . وقال الشعبي والزهري : فتح الحديبية . قال
قتادة : كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر ، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى ، كان القتال والنفقة قبل
فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك ، وكذا قال مقاتل وغيره ، وفي الكلام حذف ، والتقدير : لا يستوي
من أنفق من قبل الفتح ( وقاتل ) ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل ، فحذف لظهوره ولدلالة ما سيأتي عليه ، وإنما
كانت النفقة والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح ، لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر وهم
أقل وأضعف ، وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق لما كانوا عليه من الحاجة ، فإنهم كانوا
يجودون بأنفسهم ولا يجدون ما يجودون به من الأموال ، والجود بالنفس أقصى غاية الجود والإشارة بقوله
( أولئك ) إلى " من " باعتبار معناها ، وهو مبتدأ وخبره ( أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ) أي أرفع
منزلة وأعلا رتبة من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله من بعد الفتح وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قال عطاء : درجات الجنة تتفاضل ، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها . قال الزجاج : لأن المتقدمين نالهم
من المشقة أكثر مما نال من بعدهم ، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ .
وقد أرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الفضيلة بقوله فيما صح عنه " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ
مد أحدهم ولا نصيفه " وهذا خطاب منه صلى الله عليه وآله وسلم للمتأخرين وصحبه كما يرشد إلى ذلك السبب
الذي ورد فيه هذا الحديث ( وكلا وعد الله الحسنى ) أي وكل واحد من الفريقين وعد الله المثوبة الحسنى ، وهي
الجنة مع تفاوت درجاتهم فيها . قرأ الجمهور " وكلا " بالنصب على أنه مفعول به للفعل المتأخر . وقرأ ابن عامر
بالرفع على الابتداء ، والجملة بعده خبره والعائد محذوف ، أو على أنه خبر مبتدإ محذوف ، ومثل هذا قوال الشاعر :
قد أصبحت أم الخيار تدعى * على ذنبا كله لم أصنع
( والله بما تعملون خبير ) لا يخفى عليه من ذلك شئ . ثم رغب سبحانه في الصدقة فقال ( من ذا الذي يقرض
الله قرضا حسنا ) أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله ، فإنه كمن يقرضه ، والعرب تقول لكل من فعل فعلا
حسنا قد أقرض ، ومنه قول الشاعر :
وإذا جوزيت قرضا فأجزه * إنما يجزى الفتى ليس الجمل
قال الكلبي ( قرضا ) أي صدقة ( حسنا ) أي محتسبا من قلبه بلا من ولا أذى . قال مقاتل : حسنا طيبة به
نفسه ، وقد تقدم تفسير الآية في سورة البقرة ( فيضاعفه له ) قرأ ابن عامر وابن كثير " فيضعفه " بإسقاط الألف
إلا أن ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء . وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة " فيضاعفه " بالألف وتخفيف العين إلا
أن عاصما نصب الفاء ورفع الباقون . قال ابن عطية : الرفع على العطف على يقرض ، أو الاستئناف والنصب
لكون الفاء في جواب الاستفهام . وضعف النصب أبو علي الفارسي قال لأن السؤال لم يقع عن القرض ، وإنما
وقع عن فاعل القرض ، وإنما تنصب الفاء فعلا مردودا على فعل مستفهم عنه ، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على
المعنى ، كأن قوله ( من ذا الذي يقرض الله ) بمنزلة قوله أيقرض الله أحد ( وله أجر كريم ) وهو الجنة ، والمضاعفة
هنا هي كون الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات .
فتح القدير — صفحة 168
مساهمون: الشوكاني
ص١٦٨