ثم وبخهم سبحانه بما اجترء عليه من التكذيب مبينا لهم أن ذلك لم يصدر منهم إلا لعدم التفكر والتدبر في خلق السماء
والأرض ، وأن من قدر على هذا الخلق العظيم لا يعجزه أن يبعث من مخلوقاته ما هو دون ذلك ويعيده إلى ما كان
عليه من الذات والصفات ، ومعنى ( إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ) أنهم إذا نظروا رأوا السماء خلفهم وقدامهم ،
وكذلك إذا نظروا في الأرض رأوها خلفهم وقدامهم ، فالسماء والأرض محيطتان بهم فهو القادر على أن ينزل
بهم ما شاء من العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسوله وإنكارهم للبعث ، فهذه الآية اشتملت على أمرين : أحدهما
أن هذا الخلق الذي خلقه الله من السماء والأرض يدل على كمال القدرة على ما هو دونه من البعث كما في قوله
- أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم - . والأمر الآخر : التهديد لهم بأن من خلق
السماء والأرض على هذه الهيئة التي قد أحاطت بجميع المخلوقات فيهما قادر على تعجيل العذاب لهم ( إن نشأ نخسف
بهم الأرض ) كما خسف بقارون ( أو نسقط عليهم كسفا ) أي قطعا ( من السماء ) كما أسقطها على أصحاب الأيكة
فكيف يأمنون ذلك . قرأ الجمهور " إن نشأ " بنون العظمة ، وكذا نخسف ونسقط . وقرأ حمزة والكسائي بالياء
التحتية في الأفعال الثلاثة ، أي أن يشأ الله . وقرأ الكسائي وحده بإدغام الفاء في الباء في " نخسف بهم " . قال
أبو علي الفارسي : وذلك غير جائز لأن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا بخلاف الباء ، وقرأ
الجمهور " كسفا " بسكون السين . وقرأ حفص والسلمي بفتحها ( إن في ذلك ) المذكور من خلق السماء والأرض
( لآية ) واضحة ودلالة بينة ( لكل عبد منيب ) أي راجع إلى ربه بالتوبة والإخلاص وخص المنيب لأنه المنتفع
بالتفكر .
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( يعلم ما يلج في الأرض ) قال : من المطر ( وما يخرج منها )
قال : من النبات ( وما ينزل من السماء ) قال : من الملائكة ( وما يعرج فيها ) قال : الملائكة ، وأخرج عبد بن
حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( من رجز أليم ) قال : الرجز هو العذاب الأليم
الموجع ، وفي قوله ( ويرى الذين أوتوا العلم ) قال : أصحاب محمد . وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية
قال : يعني المؤمنين من أهل الكتاب . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
عن قتادة في قوله ( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ) قال : قال ذلك مشركو قريش ( إذا مزقتم كل
ممزق ) يقول : إذا أكلتكم الأرض وصرتم رفاتا وعظاما وتقطعكم السباع والطير ( إنكم لفي خلق جديد ) إنكم
ستحيون وتبعثون ، قالوا ذلك تكذيبا به ( أفترى على الله كذبا أم به جنة ) قال : قالوا إما أن يكون يكذب على
الله وإما أن يكون مجنونا ( أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ) قالوا : إنك إن نظرت عن
يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك رأيت السماء والأرض ( إن نشأ نخسف بهم الأرض ) كما خسفنا بمن
كان قبلهم ( أو نسقط عليهم كسفا من السماء ) أي قطعا من السماء إن يشأ أن يعذب بسمائه فعل وإن يشأ أن يعذب
بأرضه فعل وكل خلقه له جند ( إن في ذلك لآية لكل عبد منيب ) قال : نائب مقبل إلى الله .
فتح القدير — صفحه 314
پدیدآورندگان: الشوكاني
ص۳۱۴