بالمعروف . أو الظلم بالعفو ، أو الذنب بالتوبة . ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور ، والإشارة بقوله
( أولئك ) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة ( لهم عقبى الدار ) العقبى مصدر كالعاقبة ، والمراد بالدار الدنيا ،
وعقباها الجنة ، وقيل المراد بالدار : الدار الآخرة ، وعقباها الجنة للمطيعين . والنار للعصاة ( جنات عدن
يدخلونها ) بدل من عقبى الدار أي لهم جنات عدن ، ويجوز أن يكون مبتدأ ، وخبره يدخلونها . والعدن أصله
الإقامة ، ثم صار علما لجنة من الجنان . قال القشيري : وجنات عدن : وسط الجنة وقصبتها وسقفها عرش الرحمن ،
ولكن في صحيح البخاري وغيره " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش
الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة " . ( ومن صلح من آبائهم ) يشمل الآباء والأمهات ( وأزواجهم وذرياتهم )
معطوف على الضمير في يدخلون . وجاز ذلك للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه : أي ويدخلها أزواجهم
وذرياتهم . وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك ، ولا ينفع مجرد
كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ) أي من جميع أبواب
المنازل التي يسكنونها ، أو المراد من كل باب من أبواب التحف والهدايا من الله سبحانه ( سلام عليكم ) ( أي قائلين
سلام عليكم : أي سلمتم من الآفات أو دامت لكم السلامة ( بما صبرتم ) أي بسبب صبركم وهو متعلق بالسلام :
أي إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم أو متعلق بعليكم . أو بمحذوف : أي هذه الكرامة بسبب صبركم
أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ( فنعم عقبى الدار ) جاء سبحانه بهذه الجملة المتضمنة لمدح ما أعطاهم من عقبى
الدار المتقدم ذكرها للترغيب والتشويق ، ثم اتبع أحوال السعداء بأحوال الأشقياء . فقال ( والذين ينقضون عهد الله
من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) وقد مر تفسير عدم النقض وعدم القطع فعرف منهما تفسير النقض
والقطع . ولم يتعرض لنفى الخشية والخوف عنهم وما بعدهما من الأوصاف المتقدمة لدخولها في النقض والقطع ( ويفسدون
في الأرض ) بالكفر وارتكاب المعاصي والأضرار بالأنفس والأموال ( أولئك ) الموصوفون بهذه الصفات الذميمة
( لهم ) بسبب ذلك ( اللعنة ) : أي الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه ( ولهم سوء الدار ) أي سوء عاقبة دار الدنيا ،
وهى النار أو عذاب النار .
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك
الحق ) قال : هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووعوه ( كمن هو أعمى ) قال : عن الحق فلا
يبصره ولا يعقله ( إنما يتذكر أولوا الألباب ) فبين من هم ؟ فقال ( الذين يوفون بعهد الله ) . وأخرج ابن أبي حاتم
عن سعيد بن جبير أولوا الألباب قال : من كان له لب : أي عقل . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ
عن قتادة أن الله ذكر الوفاء بالعهد والميثاق في بضع وعشرين آية من القرآن . وأخرج الخطيب وابن عساكر عن
ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن البر والصلة ليخففان سوء الحساب يوم القيامة ، ثم
تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء
الحساب ) . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل )
يعنى من إيمان بالنبيين وبالكتب كلها ( ويخشون ربهم ) يعنى يخافون من قطيعة ما أمر الله به أن يوصل ( ويخافون
سوء الحساب ) يعنى شدة الحساب .
وقد ورد في صلة الرحم وتحريم قطعها أحاديث كثيرة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم
وأبو الشيخ عن الضحاك ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) قال : يدفعون بالحسنة السيئة . وأخرج عبد الرزاق والفريابي
فتح القدير — صفحة 79
مساهمون: الشوكاني
ص٧٩