قدر على إحياء الموتى ( قل من رب السماوات ورب العرش العظيم . سيقولون لله ) جاء سبحانه باللام نظرا إلى معنى
السؤال ، فإن قولك : من ربه ، ولمن هو في معنى واحد ، كقولك : من رب هذه الدار ؟ فيقال زيد ، ويقال
لزيد . وقرأ أبو عمرو وأهل العراق - سيقولون الله " بغير لام نظرا إلى لفظ السؤال ، وهذه القراءة أوضح من قراءة
الباقين باللام ، ولكنه يؤيد قراءة الجمهور أنها مكتوبة في جميع المصاحف باللام بدون ألف ، وهكذا قرأ الجمهور
في قوله ( قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله ) باللام نظرا إلى
معنى السؤال كما سلف . وقرأ أبو عمرو وأهل العراق بغير لام نظرا إلى لفظ السؤال ، ومثل هذا قول الشاعر :
إذا قيل من رب المزالف والقرى * ورب الجياد الجرد قيل لخالد
أي لمن المزالف ، والملكوت الملك ، وزيادة التاء للمبالغة ، نحو جبروت ورهبوت ، ومعنى ( وهو يجير ) أنه
يغيث غيره إذا شاء ويمنعه ( ولا يجار عليه ) أي لا يمنع أحد أحدا من عذاب الله ولا يقدر على نصره وإغاثته ، يقال
أجرت فلانا : إذا استغاث بك فحميته ، وأجرت عليه : إذا حميت عنه ( قل فأنى تسحرون ) قال الفراء والزجاج :
أي تصرفون عن الحق وتخدعون ، والمعنى : كيف يخيل لكم الحق باطلا والصحيح فاسدا ، والخادع لهم هو
الشيطان أو الهوى أو كلاهما . ثم بين سبحانه أنه قد بالغ في الاحتجاج عليهم فقال ( بل أتيناهم بالحق ) أي الأمر
الواضح الذي يحق اتباعه ( وإنهم لكاذبون ) فيما ينسبونه إلى الله سبحانه من الولد والشريك ، ثم نفاهما عن نفسه
فقال ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ) من في الموضعين زائدة لتأكيد النفي . ثم بين سبحانه ما يستلزمه
ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك ، فقال ( إذا لذهب كل إله بما خلق ) وفى الكلام حذف تقديره لو كان مع
الله آلهة لا نفرد كل إله بخلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الأخر ، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب
( ولعلا بعضهم على بعض ) أي غلب القوي على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم ، وحينئذ
فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها ، وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك ، وأنه لا يقوم به إلا
واحد تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه ، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك فإنه يدل على نفي الولد ، لأن
الولد ينازع أباه في ملكه . ثم نزه سبحانه نفسه فقال ( سبحان الله عما يصفون ) أي من الشريك والولد وإثبات ذلك
لله عز وجل ( عالم الغيب والشهادة ) أي هو مختص بعلم الغيب والشهادة ، وأما غيره فهو وإن علم الشهادة لا يعلم
الغيب . قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي " عالم " بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هو عالم . وقرأ الباقون
بالجر على أنه صفة لله أو بدل منه . وروى عن يعقوب أنه كان يخفض إذا وصل ويرفع إذا ابتدأ ( فتعالى ) الله
( عما يشركون ) معطوف على معنى ما تقدم كأنه قال : علم الغيب فتعالى ، كقولك : زيد شجاع فعظمت منزلته :
أي شجع فعظمت ، أو يكون على إضمار القول : أي أقول فتعالى الله ، والمعنى : أنه سبحانه متعال عن أن يكون
له شريك في الملك ( قل رب إما تريني ما يوعدون ) أي إن كان ولا بد أن تريني ما يوعدون من العذاب المستأصل
لهم ( رب فلا تجعلني في القوم الظالمين ) أي قل يا رب فلا تجعلني . قال الزجاج : أي إن أنزلت بهم النقمة يا رب
فاجعلني خارجا عنهم ، ومعنى كلامه هذا أن النداء معترض ، و " ما " في إما زائدة : أي قل رب إن تريني ،
والجواب فلا تجعلني ، وذكر الرب مرتين مرة قبل الشرط : ومرة بعده مبالغة في التضرع . وأمره الله أن يسأله أن
لا يجعله في القوم الظالمين مع أن الأنبياء لا يكونون مع القوم الظالمين أبدا ، تعليما له صلى الله عليه وآله وسلم من ربه
كيف يتواضع ؟ وقيل يهضم نفسه ، أو لكون شؤم الكفر قد يلحق من لم يكن من أهله كقوله " واتقوا فتنة
لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " ثم لما كان المشركون ينكرون العذاب ويسخرون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم
فتح القدير — صفحة 496
مساهمون: الشوكاني
ص٤٩٦