الله سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشره به بقوله ( قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ) أي المستعلي عليهم بالظفر
والغلبة ، والجملة تعليل للنهي عن الخوف ( وألق ما في يمينك ) يعني العصا ، وإنما أبهمها تعظيما وتفخيما ، وجزم
( تلقف ما صنعوا ) على أنه جواب الأمر قرئ بتشديد القاف ، والأصل تتلقف فحذف إحدى التاءين ، وقرئ
تلقف بكسر اللام من لقفه إذا ابتلعه بسرعة ، وقرئ " تلقف " بالرفع على تقدير فإنها تتلقف ، ومعنى ( ما صنعوا
الذي صنعوه من الحبال والعصي . قال الزجاج : القراءة بالجزم جواب الأمر ، ويجوز الرفع على معنى الحال ،
كأنه قال : ألقها متلقفة ، وجملة ( إنما صنعوا كيد ساحر ) تعليل لقوله تلقف ، وارتفاع كيد على أنه خبر لأن ،
وهى قراءة الكوفيين إلا عاصما . وقرأ هؤلاء " سحر " بكسر السين وسكون الحاء ، وإضافة الكيد إلى السحر على
الإتساع من غير تقدير ، أو بتقدير ذي سحر . وقرأ الباقون " كيد ساحر " ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) أي
لا يفلح جنس الساحر حيث أتى وأين توجه ، وهذا من تمام التعليل ( فألقى السحرة سجدا ) أي فألقى ذلك الأمر
الذي شاهدوه من موسى والعصا السحرة سجدا لله تعالى ، وقد مر تحقيق هذا في سورة الأعراف ( قالوا آمنا برب
هارون وموسى ) إنما قدم هارون على موسى في حكاية كلامهم رعاية لفواصل الآي وعناية بتوافق رؤوسها .
وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فيسحتكم بعذاب ) قال : يهلككم . وأخرج
عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ( فيسحتكم ) قال : يستأصلكم . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن
أبي صالح قال : فيذبحكم . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي ( ويذهبا بطريقتكم المثلى )
قال : يصرفا وجوه الناس إليهما . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : يقول أمثلكم ،
وهم بنو إسرائيل . وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق في قوله ( تلقف ما صنعوا ) ما يأفكون ، عن قتادة قال :
ألقاها موسى فتحولت حية تأكل حبالهم وما صنعوا . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة
أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة ، فقالوا لفرعون : إن يكن هذان ساحران فإنا نغلبهما يكون فإنه لا أسحر منا ، وإن كانا
من رب العالمين فإنه لا طاقة لنا برب العالمين ، فلما كان من أمرهم أن خروا سجدا أراهم الله في سجودهم منازلهم التي
إليها يصيرون فعندها ( قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ) إلى قوله ( والله خير وأبقى ) .
سورة طه الآية ( 71 - 76 )
فتح القدير — صفحة 375
مساهمون: الشوكاني
ص٣٧٥