أو يأتيهم العذاب مستقبلا ، وانتصابه على الحال . فحاصل معنى الآية أنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا عند نزول
عذاب الدنيا المستأصل لهم ، أو عند إتيان أصناف عذاب الآخرة أو معاينته ( وما نرسل المرسلين ) من رسلنا إلى
الأمم ( إلا ) حال كونهم ( مبشرين ) للمؤمنين ( ومنذرين ) للكافرين ، فالاستثناء مفرغ من أعم العام ، وقد
تقدم تفسير هذا ( ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ) أي ليزيلوا بالجدال بالباطل الحق ويبطلوه
وأصل الدحض الزلق : يقال دحضت رجله : أي زلقت تدحض دحضا ، ودحضت الشمس عن كبد السماء
زالت ، ودحضت حجته دحوضا بطلت ، ومن ذلك قول طرفة :
أبا منذر رمت الوفاء فهبته * وحدت كما حاد البعير عن الدحض
ومن مجادلة هؤلاء الكفار بالباطل قولهم للرسل - ما أنتم إلا بشر مثلنا - ونحو ذلك ( واتخذوا آياتي ) أي القرآن
( وما أنذروا ) به من الوعيد والتهديد ( هزؤا ) أي لعبا وباطلا ، وقد تقدم هذا في البقرة ( ومن أظلم ممن ذكر
بآيات ربه فأعرض عنها ) أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه التنزيلية أو التكوينية أو مجموعهما فتهاون بها
وأعرض عن قبولها ، ولم يتدبرها حق التدبر ويتفكر فيها حق التفكر ( ونسي ما قدمت يداه ) من الكفر والمعاصي ،
فلم يتب عنها . قيل والنسيان هنا بمعنى الترك ، وقيل هو على حقيقته ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) أي
أغطية : والأكنة جمع كنان ، والجملة تعليل لإعراضهم ونسيانهم . قال الزجاج : أخبر الله سبحانه أن هؤلاء طبع
على قلوبهم ( وفى آذانهم وقرا ) أي وجعلنا في آذانهم ثقلا يمنع من استماعه ، وقد تقدم تفسير هذا في الأنعام
( وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ) لأن الله قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم ومعاصيهم ( وربك الغفور
ذو الرحمة ) أي كثير المغفرة ، وصاحب الرحمة التي وسعت كل شئ فلم يعاجلهم بالعقوبة ، ولهذا قال ( لو
يؤاخذهم بما كسبوا ) أي بسبب ما كسبوه من المعاصي التي من جملتها الكفر والمجادلة والإعراض ( لعجل لهم العذاب
لاستحقاقهم لذلك ( بل ) جعل ( لهم موعد ) أي أجل مقدر لعذابهم ، قيل هو عذاب الآخرة ، وقيل يوم بدر
( لن يجدوا من دونه موئلا ) أي ملجأ يلجئون إليه . وقال أبو عبيدة منجا ، وقيل محيصا ، ومنه قول الشاعر :
لا وألت نفسك خليتها * للعامريين ولم تكلم
وقال الأعشى :
وقد أخالس رب البيت غفلته * وقد يحاذر منى ثم مايئل
أي ما ينجو ( وتلك القرى ) أي قرى عاد وثمود وأمثالها ( أهلكناهم ) هذا خبر اسم الإشارة والقرى صفته ،
والكلام على حذف مضاف : أي أهل القرى أهلكناهم ( لما ظلموا ) أي وقت وقوع الظلم منهم بالكفر والمعاصي
( وجعلنا لمهلكهم موعدا ) أي وقتا معينا ، وقرأ عاصم مهلكهم بفتح الميم واللام ، وهو مصدر هلك ، وأجاز
الكسائي والفراء كسر اللام وفتح الميم ، وبذلك قرأ حفص ، وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح اللام . وقال الزجاج
مهلك : اسم للزمان ، والتقدير : لوقت مهلكهم .
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( إلا أن تأتيهم سنة الأولين ) قال : عقوبة الأولين . وأخرج ابن
أبي حاتم عن الأعمش في قوله ( قبلا ) قال : جهارا . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد
قال فجأة . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( ونسي ما قدمت يداه ) قال : نسي ما سلف من الذنوب الكثيرة .
فتح القدير — صفحة 296
مساهمون: الشوكاني
ص٢٩٦