المفسرين على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة . القول الثاني : أن المقام المحمود إعطاء النبي صلى الله عليه وآله
وسلم لواء الحمد يوم القيامة . ويمكن أن يقال إن هذا لا ينافي القول الأول ، إذ لا منافاة بين كونه قائما مقام الشفاعة
وبيده لواء الحمد . القول الثالث : أن المقام المحمود هو أن الله سبحانه يجلس محمدا صلى الله عليه وآله وسلم معه
على كرسيه ، حكاه ابن جرير عن فرقة منهم مجاهد ، وقد ورد في ذلك حديث . وحكى النقاش عن أبي داود
السجستاني أنه قال : من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا الحديث . قال ابن
عبد البر : مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل ، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم ، أحدهما هذا ، والثاني
في تأويل - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة - قال : معناه تنتظر الثواب ، وليس من النظر انتهى ، وعلى كل
حال فهذا القول غير مناف للقول الأول لإمكان أن يقعده الله سبحانه هذا المقعد ويشفع تلك الشفاعة . القول
الرابع : أنه مطلق في كل مقام يجلب الحمد من أنواع الكرامات ، ذكره صاحب الكشاف والمقتدون به في التفسير ،
ويجاب عنه بأن الأحاديث الصحيحة الواردة في تعيين هذا المقام المحمود متواترة ، فالمصير إليها متعين ، وليس
في الآية عموم في اللفظ حتى يقال : الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومعنى قوله وهو مطلق في كل
ما يجلب الحمد أنه عام في كل ما هو كذلك ، ولكنه يعبر عن العام بلفظ المطلق ، كما ذكره في ذبح البقرة ، ولهذا
قال هنا . وقيل المراد الشفاعة ، وهى نوع واحد مما يتناوله يعنى لفظ المقام ، والفرق بين العموم
البدلي والعموم الشمولي معروف ، فلا نطيل بذكره ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) * قرأ الجمهور
" مدخل صدق ومخرج صدق " بضم الميمين . وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم بفتحهما ، وهما مصدران
بمعنى الإدخال والإخراج ، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو حاتم الجود : أي إدخالا يستأهل أن يسمى
إدخالا ، ولا يرى فيه ما يكره . قال الواحدي : وإضافتهما إلى الصدق مدح لهما ، وكل شئ أضفته إلى الصدق
فهو مدح .
وقد اختلف المفسرون في معنى الآية ، فقيل نزلت حين أمر بالهجرة ، يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة
واختاره ابن جرير ، وقيل المعنى : أمتني إماتة صدق وابعثني يوم القيامة مبعث صدق ، وقيل المعنى : أدخلني
فيما أمرتني به ، وأخرجني مما نهيتني عنه ، وقيل إدخاله موضع الأمن وإخراجه من بين المشركين ، وهو كالقول
الأول ، وقيل المراد إدخال عز وإخراج نصر ، وقيل المعنى : أدخلني في الأمر الذي أكرمتني به من النبوة مدخل
صدق ، وأخرجني منه إذا أمتني مخرج صدق ، وقيل أدخلني القبر عند الموت مدخل صدق ، وأخرجني منه
عند البعث مخرج صدق ، وقيل أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق ، وقيل الآية عامة في كل
ما تتناوله من الأمور فهي دعاء ، ومعناها رب أصلح لي وردي في كل الأمور وصدري عنها ( واجعل لي من لدنك
سلطانا نصيرا ) أي حجة ظاهرة قاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني ، وقيل اجعل لي من لدنك ملكا وعزا قويا
وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطانا نصيرا . وبه قال الحسن وقتادة
واختاره ابن جرير . قال ابن كثير : وهو الأرجح ، لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه ، ولهذا يقول
تعالى - لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد
ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب - وفى الحديث " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " أي
ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمنع كثيرا من الناس بالقرآن ، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد
الشديد ، وهذا هو الواقع انتهى ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ) المراد بالحق الإسلام . وقيل القرآن ، وقيل الجهاد
فتح القدير — صفحة 252
مساهمون: الشوكاني
ص٢٥٢