يقول ) بدل من " إذ هم نجوى " . ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم :
ما تتبعون إلا رجلا سحر فاختلط عقله وزال عن حد الاعتدال . قال ابن الأعرابي : المسحور الذاهب
العقل الذي أفسد من قولهم طعام مسحور إذا أفسد عمله ، وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي
فأفسدها . وقيل المسحور المخدوع ، لأن السحر حيلة وخديعة ، وذلك لأنهم زعموا أن محمدا صلى الله عليه وآله
وسلم كان يتعلم من بعض الناس . وكانوا يخدعونه بذلك التعليم . وقال أبو عبيدة : معنى مسحورا أن له سحرا : أي
رئة . فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم . وتقول العرب للجبان : قد انتفخ سحره ، وكل من كان يأكل
من آدمي أو غيره مسحور . ومنه قول امرئ القيس :
أرانا موضعين لأمر غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب
أي نغذي ونعلل . قال ابن قتيبة : لا أدرى ما حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة ( انظر
كيف ضربوا لك الأمثال ) أي قالوا تارة إنك كاهن وتارة ساحر ، وتارة شاعر ، وتارة مجنون ( فضلوا )
عن طريق الصواب في جميع ذلك ( فلا يستطيعون سبيلا ) إلى الهدى أو إلى الطعن الذي تقبله العقول ويقع التصديق له
لا أصل الطعن ، فقد فعلوا منه ما قدروا عليه ، وقيل لا يستطيعون مخرجا لتناقض كلامهم كقولهم : ساحر مجنون .
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ( إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) قال : على أن يزيلوا ملكه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن
قرط " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسرى به إلى المسجد الأقصى كان جبريل عن يمينه وميكائيل
عن يساره . فطارا به حتى بلغ السماوات العلى ، فلما رجع قال : سمعت تسبيحا من السماوات العلى مع تسبيح كثير
سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا . سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى " . وأخرج
ابن مردويه عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هدة فقال : أطت
السماء ويحقها أن تئط ، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح بحمده " . وأخرج
ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أخبركم
بشئ أمر به نوح ابنه ؟ إن نوحا قال لابنه : يا بنى آمرك أن تقول سبحان الله ، فإنها صلاة الخلائق ، وتسبيح
الخلق ، وبها يرزق الخلق " قال الله تعالى ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) . وأخرج أحمد وابن مردويه من
حديث ابن عمر نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال : " ما من عبد سبح تسبيحة إلا سبح ما خلق الله من
شئ " قال الله ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) قال ابن كثير إسناده فيه ضعف ، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى
الله إليه من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح " . وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمرو قال
" نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفدع وقال : نقيقها تسبيح " . وأخرج أبو الشيخ
في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) قال : الزرع يسبح وأجره لصاحبه
والثوب يسبح ويقول الوسخ إن كنت مؤمنا فاغسلني إذن . وأخرج أبو الشيخ عنه قال : كل شئ يسبح إلا الكلب
والحمار . وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال : أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين ، فجعل
ينشر جناحيه ويقول : ما صيد من صيد ولا عضد من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح . وأخرجه أحمد في الزهد
وأبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال : أتى أبو بكر الصديق فذكره من قوله غير مرفوع . وأخرجه أبو نعيم
فتح القدير — صفحة 232
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣٢