فريقان فمنهم من هدى ومنهم من حقت عليه الضلالة ، فكان في ذلك دليل على أن أمر الله سبحانه لا يستلزم موافقة
إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ، ولا يريد الهداية إلا للبعض ، إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد ، وهذا معنى
ما حكيناه عن الزجاج هنا ( فسيروا في الأرض ) سير معتبرين ( فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) من الأمم
السابقة عند مشاهدتكم لآثارهم كعاد وثمود : أي كيف صار آخر أمرهم إلى خراب الديار بعد هلاك الأبدان بالعذاب
ثم خصص الخطاب برسوله صلى الله عليه وآله وسلم مؤكدا لما تقدم فقال ( إن تحرص على هداهم ) أي تطلب
بجهدك ذلك ( فإن الله لا يهدى من يضل ) قرأ ابن مسعود وأهل الكوفة " لا يهدى " بفتح حرف المضارعة على أنه
فعل مستقبل مسند إلى الله سبحانه : أي فإن الله لا يرشد من أضله ، و " من " في موضع نصب على المفعولية . وقرأ
الباقون " لا يهدى " بضم حرف المضارعة على أنه مبنى للمجهول ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم على
معنى أنه لا يهديه هاد كائنا من كان ، ومن في موضع رفع على أنها نائب الفاعل المحذوف ، فتكون هذه الآية على
هذه القراءة كقوله في الآية الأخرى - من يضلل الله فلا هادي له - والعائد على القراءتين محذوف : أي من يضله .
وروى أبو عبيد عن الفراء على القراءة الأولى أن معنى ( لا يهدى ) لا يهتدى كقوله تعالى - أمن لا يهدى إلا أن يهدى -
بمعنى يهتدى . قال أبو عبيد : ولا نعلم أحدا روى هذا غير الفراء وليس بمتهم فيما يحكيه . قال النحاس : حكى
عن محمد بن يزيد المبرد ، كأن معنى ( لا يهدى من يضل ) من علم ذلك منه وسبق له عنده ( وما لهم من ناصرين )
ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله أو ينصرونهم بدفع العذاب عنهم ، ثم ذكر عناد قريش وإنكارهم للبعث فقال
( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) مصدر في موضع الحال : أي جاهدين ( لا يبعث الله من يموت ) من عباده ، زعموا
أن الله سبحانه عاجز عن بعث الأموات ، فرد الله عليهم ذلك بقوله ( بلى وعدا عليه حقا ) هذا إثبات لما بعد النفي
أي بلى يبعثهم ، ووعدا مصدر مؤكدا لما دل عليه بلى وهو يبعثهم لأن البعث وعد من الله وعد عباده به ، والتقدير
وعد البعث وعدا عليه حقا لا خلف فيه ، وحقا صفة لوعد ، وكذا عليه فإنه صفة لوعد : أي كائنا عليه ، أو نصب
حقا على المصدرية : أي حق حقا ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أن ذلك يسير عليه سبحانه غير عسير . وقوله
( ليبين لهم ) أي ليظهر لهم ، وهو غاية لما دل عليه بلى من البعث ، والضمير في ( لهم ) راجع إلى من يموت ،
والموصول في قوله ( الذي يختلفون فيه ) في محل نصب على أنه مفعول ليبين : أي الأمر الذي وقع الخلاف بينهم
فيه ، وبيانه إذ ذاك يكون بما جاءتهم به الرسل ، ونزلت عليهم فيه كتب الله ، وقيل إن ليبين متعلق بقوله ( ولقد
بعثنا ) أي بعثنا في كل أمة رسولا ليبين وهو بعيد ( وليعلم الذين كفروا ) بالله سبحانه وأنكروا البعث ( أنهم كانوا
كاذبين ) في جدالهم وإنكارهم البعث بقولهم ( لا يبعث الله من يموت ) وجملة ( إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول
له كن فيكون ) مستأنفة لبيان كيفية الإبداء والإعادة بعد بيان سهولة البعث عليه سبحانه . قال الزجاج : أعلمهم
بسهولة خلق الأشياء عليه فأخبر أنه متى أراد الشئ كان ، وهذا كقوله - وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون -
وقرأ ابن عامر والكسائي " فيكون " بالنصب عطفا على أن نقول . قال الزجاج : يجوز أن يكون نصبا على جواب
كن . وقرأ الباقون بالرفع على معنى : فهو يكون . قال ابن الأنباري : أوقع لفظ الشئ على المعلوم عند الله تعالى
قبل الخلق ، لأنه بمنزلة ما قد وجد وشوهد . وقال الزجاج : إن معنى لشئ لأجل شئ فجعل اللام سببية ، وقيل
هي لام التبليغ ، كما في قولك قلت له قم فقام ، و ( إنما قولنا ) مبتدأ ( وأن نقول له كن ) خبره ، وهذا الكلام من
باب التمثيل على معنى : أنه لا يمتنع عليه شئ ، وأن وجوده عند إرادته كوجود المأمورية عند أمر الآمر المطاع
فتح القدير — صفحة 162
مساهمون: الشوكاني
ص١٦٢