علم ما أنت أعلم به منا ، وقيل إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر . قوله ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم )
إذ بدل من يوم يجمع ، وهو تخصيص بعد التعميم وتخصيص عيسى عليه السلام من بين الرسل لاختلاف طائفتي
اليهود والنصارى فيه إفراطا وتفريطا ، هذه تجعله إلها ، وهذه تجعله كاذبا ، وقيل هو منصوب بتقدير أذكر ،
قوله ( أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ) ذكره سبحانه نعمته عليه وعلى أمه مع كونه ذاكرا لها عالما بتفضل الله
سبحانه بها لقصد تعريف الأمم بما خصهما الله به من الكرامة وميزهما به من علو المقام ، أو لتأكيد الحجة وتبكيت
الجاحد بأن منزلهما عند الله هذه المنزلة وتوبيخ من اتخذهما إلهين ببيان أن ذلك الإنعام عليهما كله من عند الله
سبحانه ، وأنهما عبدان من جملة عباده منعم عليهما بنعم الله سبحانه ليس لهما من الأمر شئ . قوله ( إذ أيدتك
بروح القدس ) إذ ظرف للنعمة لأنها بمعنى المصدر : أي أذكر إنعامي عليك وقت تأييدي لك ، أو حال من
النعمة : أي كائنة ذلك الوقت ( أيدتك ) قويتك مأخوذ من الأيد ، وهو القوة . وفى روح القدس وجهان :
أحدهما أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها ، وقيل إنه جبريل عليه السلام ، وقيل إنه الكلام الذي يحيى به
الأرواح . والقدس : الطهر ، وإضافته إليه لكونه سببه ، وجملة ( تكلم الناس ) مبينة لمعنى التأييد ، و ( في المهد )
في محل نصب على الحال : أي تكلم الناس حال كونك صبيا وكهلا لا يتفاوت كلامك في الحالتين مع أن غيرك
يتفاوت كلامه فيهما تفاوتا بينا . وقوله ( وإذ علمتك الكتاب ) معطوف على ( إذ أيدتك ) أي واذكر نعمتي عليك
وقت تعليمي لك الكتاب : أي جنس الكتاب ، أو المراد بالكتاب الخط ، وعلى الأول يكون ذكر التوراة والإنجيل
من عطف الخاص على العام ، وتخصيصهما بالذكر لمزيد اختصاصه بهما : أما التوراة فقد كان يحتج بها على
اليهود في غالب ما يدور بينه وبينهم من الجدال كما هو مصرح بذلك في الإنجيل ، وأما الإنجيل فلكونه نازلا عليه من
عند الله سبحانه ، والمراد بالحكمة جنس الحكمة ، وقيل هي الكلام المحكم ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) أي
تصور تصويرا مثل صورة الطير ( بإذني ) لك بذلك وتيسيري له ( فتنفخ ) في الهيئة المصورة ( فتكون ) هذه الهيئة
( طائرا ) متحركا حيا كسائر الطيور ( وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني ) لك وتسهيله عليك وتيسيره لك ، وقد
تقدم تفسير هذا مطولا في البقرة فلا نعيده ( وإذ تخرج الموتى ) من قبورهم فيكون ذلك آية لك عظيمة ( بإذني ) ،
وتكرير بإذني في المواضع الأربعة للاعتناء بأن ذلك كله من جهة الله ليس لعيسى عليه السلام فيه فعل إلا مجرد
امتثاله لأمر الله سبحانه . قوله ( وإذ كففت ) معطوف على " إذ تخرج " كففت معناه : دفعت وصرفت ( بني
إسرائيل عنك ) حين هموا بقتلك ( إذ جئتهم بالبينات ) بالمعجزات الواضحات ( فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر
مبين ) أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين ، لما عظم ذلك في صدرهم وانبهروا منه لم يقدروا على جحده بالكلية ،
بل نسبوه إلى السحر . قوله ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ) هو معطوف على ما قبله ، وقد
تقدم تفسير ذلك . والوحي في كلام العرب معناه الإلهام : أي ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم ، وقيل
معناه : أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي بالتوحيد والإخلاص ويؤمنوا برسالة رسولي . قوله ( قالوا آمنا )
جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قالوا ؟ فقال : قالوا آمنا ( واشهد بأننا مسلمون ) أي مخلصون للإيمان : أي واشهد
يا رب ، أو واشهد يا عيسى .
وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله
( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ) فيفزعون فيقولون ( لا علم لنا ) فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون . وأخرج ابن
جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال : ذلك أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول ، فلما سئلوا
فتح القدير — صفحة 91
مساهمون: الشوكاني
ص٩١