قال : النصارى يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكذبوا . وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : تفرقت بنو إسرائيل ثلاث
فرق في عيسى ، فقالت فرقه هو الله ، وقالت فرقة هو ابن الله ، وقالت فرقة هو عبد الله وروحه ، وهي المقتصدة
وهي مسلمة أهل الكتاب .
سورة المائدة الآية ( 76 - 81 )
أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم هذا القول إلزاما لهم وقطعا لشبهتهم : أي أتعبدون
من دون الله متجاوزين إياه ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ؟ بل هو عبد مأمور ، وما جرى على يده من النفع ، أو
دفع من الضر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه ، وأما هو فهو يعجز عن أن يملك لنفسه شيئا من ذلك فضلا عن أن
يملكه لغيره ، ومن كان لا ينفع ولا يضر فكيف تتخذونه إلها وتعبدونه ، وأي سبب يقتضي ذلك ؟ والمراد هنا
المسيح عليه السلام ، وقدم سبحانه الضر على النفع لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح ( والله هو السميع
العليم ) أي كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ، والحال أن الله هو السميع العليم ، ومن كان كذلك فهو
القادر على الضر والنفع لإحاطته بكل مسموع ومعلوم ، ومن جملة ذلك مضاركم ومنافعكم . قوله ( تغلوا في
دينكم ) لما أبطل سبحانه جميع ما تعلقوا به من الشبه الباطلة نهاهم عن اللغو في دينهم وهو المجاوزة للحد كإثبات
الإلهية لعيسى ، كما يقوله النصارى ، أو حطه عن مرتبته العلية كما يقوله اليهود فإن كل ذلك من الغلو المذموم
وسلوك طريقة الإفراط أو التفريط واختيارهما على طريق الصواب . ( وغير ) منصوب على أنه نعت لمصدر
محذوف : أي غلوا غير غلو الحق ، وأما الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه واستخراج حقائقه فليس
بمذموم ، وقيل إن النصب على الاستثناء المتصل ، وقيل على المنقطع ( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل )
وهم أسلاف أهل الكتاب من طائفتي اليهود والنصارى : أي قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم
( وأضلوا كثيرا ) من الناس ( وضلوا عن سواء السبيل ) أي عن قصدهم طريق محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد
البعثة ، والمراد أن أسلافهم ضلوا من قبل البعثة وأضلوا كثيرا من الناس إذ ذاك ، وضلوا من بعد البعثة ، إما
بأنفسهم ، أو جعل ضلال من أضلوه ضلالا لهم لكونهم سنوا لهم ذلك ونهجوه لهم ، وقيل المراد بالأول كفرهم بما
فتح القدير — صفحة 65
مساهمون: الشوكاني
ص٦٥