ذلك من المخالطة لهم والدخول عليهم ، ونحو ذلك مما لا بد منه ، ولا محيص عن هذا الذي ذكرناه من وجوب
طاعتهم بالقيود المذكورة لتواتر الأدلة الواردة به ، بل قد ورد به الكتاب العزيز - وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولي الأمر منكم - بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الطاعة ، وإن منعوا ما هو عليهم للرعايا كما في بعض الأحاديث
الصحيحة " أعطوهم الذي لهم ، واسألوا الله الذي لكم " بل ورد الأمر بطاعة السلطان ، وبالغ في ذلك النبي صلى
الله عليه وآله وسلم حتى قال " وإن أخذ مالك وضرب ظهرك " . فإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون فمجرد هذه الطاعة
المأمور بها مع ما تستلزمه من المخالطة هي ميل وسكون ، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهرا وباطنا فلا يتناول النهي
في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر لأمر يقتضي ذلك شرعا كالطاعة ، أو للتقية ومخافة الضرر منهم ، أو لجلب
مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة ، إذا لم يكن له ميل إليهم في الباطن ولا محبة ولا رضا
بأفعالهم . قلت : أما الطاعة على عمومها بجميع أقسامها حيث لم تكن في معصية الله ، فهي على فرض صدق مسمى
الركون عليها مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدمنا الإشارة إليها ، ولا شك في هذا ولا ريب ، فكل من
أمروه ابتداء أن يدخل في شئ من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها إذا
وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه ، فذلك واجب عليه فضلا عن أن يقال جائز له ، وأما ما ورد من النهي عن
عن الدخول في الإمارة ، فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء جمعا بين
الأدلة ، أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض
الأحاديث الصحيحة ، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة
مع كراهة ما هم عليه من الظلم وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم ، وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو
دفع تلك المفسدة فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا ، فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح
ودفع المفاسد . والأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، ولا تخفى على الله خافية ، وبالجملة فمن ابتلى
بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع ، فإن زاغ عن ذلك " فعلى نفسها
براقش تجنى " ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به .
يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ، اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر
الذين لا يخافون فيك لومة لائم ، وقونا على ذلك ويسره لنا ، وأعنا عليه . قال القرطبي : في تفسيره : وصحبة الظالم على
التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار انتهى . وقال النيسابوري في تفسيره : قال المحققون : الركون المنهي عنه
هو الرضا بما عليه الظلمة ، أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ، ومشاركتهم في شئ من تلك الأبواب ، فأما
مداخلتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة ، فغير داخلة في الركون . قال : وأقول هذا من طريق المعاش
والرخصة ، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية - أليس الله بكاف عبده - انتهى .
قوله ( فتمسكم النار ) بسبب الركون إليهم ، وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار ، أو كالنار ، ومصاحبة
النار توجب لا محالة مس النار ، وجملة ( وما لكم من دون الله من أولياء ) في محل نصب على الحال من قوله :
فتمسكم النار . والمعنى : أنها تمسكم النار حال عدم وجود من ينصركم وينقذكم منها ( ثم لا تنصرون ) من جهة الله
سبحانه ، إذ قد سبق في علمه أنه يعذبكم بسبب الركون الذي نهيتم عنه فلم تنتهوا عنادا وتمردا . قوله ( وأقم الصلاة
طرفي النهار ) لما ذكر الله سبحانه الاستقامة خص من أنواعها إقامة الصلاة لكونها رأس الإيمان ، وانتصاب طرفي
النهار على الظرفية ، والمراد صلاة الغداة والعشي ، وهما الفجر والعصر ، وقيل الظهر موضع العصر ، وقيل الطرفان
الصبح والمغرب . وقيل هما الظهر والعصر . ورجح ابن جرير أنهما الصبح والمغرب قال : والدليل عليه إجماع
فتح القدير — صفحة 531
مساهمون: الشوكاني
ص٥٣١