سورة المائدة ( 48 - 50 )
قوله ( وكتبنا ) معطوف على أنزلنا التوراة ، ومعناها فرضنا ، بين الله سبحانه في هذه الآية ما فرضه على بني
إسرائيل : من القصاص في النفس ، والعين ، والأنف ، والأذن ، والسن ، والجروح . وقد استدل أبو حنيفة
وجماعة من أهل العلم بهذه الآية فقالوا : إنه يقتل المسلم بالذمي لأنه نفس . وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم : إن
هذه الآية خبر عن شرع من قبلنا وليس بشرع لنا . وقد قدمنا في البقرة في شرح قوله تعالى - كتب عليكم
القصاص في القتلى - ما فيه كفاية .
وقد اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا هل يلزمنا أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنه يلزمنا إذا لم ينسخ وهو
الحق . وقد ذكر ابن الصباغ في الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه . قال ابن كثير
في تفسيره : وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة انتهى .
وقد أوضحنا ما هو الحق في هذا في شرحنا على المنتقى ، وفى هذه الآية توبيخ لليهود وتقريع لكونهم يخالفون
ما كتبه الله عليهم في التوراة كما حكاه هنا ، ويفاضلون بين الأنفس كما سبق بيانه ، وقد كانوا يقيدون بني
النضير من بني قريظة ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير . قوله ( والعين بالعين ) قرأ نافع وعاصم والأعمش
وحمزة بالنصب في جميعها على العطف . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بالنصب أيضا في الكل إلا
في الجروح فبالرفع . وقرأ الكسائي وأبو عبيد بالرفع في الجميع عطفا على المحل ، لأن النفس قبل دخول الحرف
الناصب عليها كانت مرفوعة على الابتداء . وقال الزجاج : يكون عطفا على المضمر في النفس ، لأن التقدير :
إن النفس هي مأخوذة بالنفس ، فالأسماء معطوفة على هي . قال ابن المنذر : ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام
يتضمن بيان الحكم للمسلمين . والظاهر من النظم القرآني أن العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها محال للإدراك أنها تفقأ
عين الجاني بها ، والأنف إذا جدعت جميعها فإنها تجدع أنف الجاني بها ، والأذن إذا قطعت جميعها فإنها تقطع
أذن الجاني بها ، وكذلك السن ، فأما لو كانت الجناية ذهبت ببعض إدراك العين ، أو ببعض الأنف ، أو ببعض
الأذن ، أو ببعض السن ، فليس في هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص .
وقد اختلف أهل العلم في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته . وكلامهم مدون في كتب
الفروع . والظاهر من قوله ( والسن بالسن ) أنه لا فرق بين الثنايا والأنياب والأضراس والرباعيات ، وأنه يؤخذ
بعضها ببعض ، ولا فضل لبعضها على بعض . وإليه ذهب أكثر أهل العلم ، كما قال ابن المنذر ، وخالف في ذلك
عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن تبعه . وكلامهم مدون في مواطنه ، ولكنه ينبغي أن يكون المأخوذ في
القصاص من الجاني هو المماثل للسن المأخوذة من المجني عليه ، فإن كانت ذاهبة فما يليها . قوله ( والجروح
قصاص ) أي ذوات قصاص . وقد ذكر أهل العلم أنه لا قصاص في الجروح التي يخاف منها التلف ، ولا فيما كان
فتح القدير — صفحة 46
مساهمون: الشوكاني
ص٤٦