داخل في حكم الاستدراك خبر ثالث ، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال من الكتاب ويجوز
أن تكون الجملة استئنافية لا محل لها ، و ( من رب العالمين ) خبر رابع : أي كائن من رب العالمين ، ويجوز أن يكون
حالا من الكتاب ، أو من ضمير القرآن في قوله ( لا ريب فيه ) أي كائنا من رب العالمين ، ويجوز أن يكون متعلقا
بتصديق وتفصيل ، وجملة ( لا ريب فيه ) معترضة . قوله ( أم يقولون افتراه ) الاستفهام للإنكار عليهم مع تقرير
ثبوت الحجة ، وأم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة : أي بل أيقولون افتراه واختلقه . وقال أبو عبيدة : أم
بمعنى الواو : أي ويقولون افتراه ، وقيل الميم زائدة ، والتقدير : أيقولون افتراه ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ .
ثم أمره الله سبحانه أن يتحداهم حتى يظهر عجزهم ويتبين ضعفهم فقال ( قل فأتوا بسورة مثله ) أي إن كان
الأمر كما تزعمون من أن محمدا افتراه فأتوا أنتم على جهة الافتراء بسورة مثله في البلاغة ، وجودة الصناعة ، فأنتم
مثله في معرفة لغة العرب وفصاحة الألسن وبلاغة الكلام ( وادعوا ) بمظاهريكم ومعاونيكم ( من استطعتم ) دعاءه
والاستعانة به من قبائل العرب ، ومن آلهتكم التي تجعلونهم شركاء لله . وقوله ( من دون الله ) متعلق بادعوا :
أي ادعوا من سوى الله من خلقه ( إن كنتم صادقين ) في دعواكم أن هذا القرآن مفترى .
وسبحان الله العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها وأظهرها للعقول ، فإنهم لما نسبوا الافتراء إلى واحد منهم
في البشرية والعربية ، قال لهم : هذا الذي نسبتموه إلي وأنا واحد منكم ليس عليكم إلا أن تأتوا وأنتم الجمع الجم
بسورة مماثلة لسورة من سوره ، واستعينوا بمن شئتم من أهل هذه اللسان العربية على كثرتهم وتباين مساكنهم ، أو
من غيرهم من بني آدم ، أو من الجن ، أو من الأصنام ، فإن فعلتم هذا بعد اللتيا والتي فأنتم صادقون فيما نسبتموه
إلي وألصقتموه بي . فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام المنصف والتنزل البالغ بكلمة ولا نطقوا ببنت شفة ، بل
كاعوا عن الجواب وتشبثوا بأذيال العناد البارد والمكابرة المجردة عن الحجة ، وذلك مما لا يعجز عنه مبطل ، ولهذا
قال سبحانه عقب هذا التحدي البالغ ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) فأضرب عن الكلام الأول ، وانتقل إلى
بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن قبل أن يتدبروه ويفهموا معانيه وما اشتمل عليه ، وهكذا صنع من تصلب في
التقليد ولم يبال بما جاء به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف ، بل يرده بمجرد كونه لم يوافق هواه ، ولا
جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه ويعلم مبناه ، كما تراه عيانا وتعلمه وجدانا . والحاصل أن من كذب بالحجة
النيرة والبرهان الواضح قبل أن يحيط بعلمه ، فهو لم يتمسك بشئ في هذا التكذيب إلا مجرد كونه جاهلا لما كذب
به غير عالم به ، فكان بهذا التكذيب مناديا على نفسه بالجهل بأعلى صوت ، ومسجلا بقصوره عن تعقل الحجج
بأبلغ تسجيل ، وليس على الحجة ولا على من جاء بها من تكذيبه شئ :
ما يبلغ الأعداء من جاهل * ما يبلغ الجاهل من نفسه
قوله ( ولما يأتهم تأويله ) معطوف على ( لم يحيطوا بعلمه ) أي بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وبما لم يأتهم تأويله ،
أو هذه الجملة في محل نصب على الحال : أي كذبوا به حال كونهم لم يفهموا تأويل ما كذبوا به ولا بلغته عقولهم .
والمعنى : أن التكذيب منهم وقع قبل الإحاطة بعلمه ، وقبل أن يعرفوا ما يؤول إليه من صدق ما اشتمل عليه من
حكاية ما سلف من أخبار الرسل المتقدمين والأمم السابقين ، ومن حكايات ما سيحدث من الأمور المستقبلة التي
أخبر عنها قبل كونها ، أو قبل أن يفهموه حق الفهم وتتعقله عقولهم ، فإنهم لو تدبروه كلية التدبر لفهموه كما
ينبغي ، وعرفوا ما اشتمل عليه من الأمور الدالة أبلغ دلالة على أنه كلام الله ، وعلى هذا فمعنى تأويله ما يؤول إليه
فتح القدير — صفحة 446
مساهمون: الشوكاني
ص٤٤٦