سورة يونس الآية ( 24 - 30 )
لما ذكر الله سبحانه ما تقدم من متاع الدنيا جاء بكلام مستأنف يضمن بيان حالها وسرعة تقضيها ، وأنها تعود
بعد أن تملأ الأعين برونقها ، وتجتلب النفوس ببهجتها . وتحمل أهلها على أن يسفكوا دماء بعضهم بعضا ، ويهتكوا
حرمهم حبالها وعشقا لجمالها الظاهري ، وتكالبا على التمتع بها ، وتهافتا على نيل ما تشتهي الأنفس منها بضرب من
التشبيه المركب ، فقال ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ) إلى آخر الآية . والمعنى : أن مثلها في سرعة
الذهاب والاتصاف بوصف يضاد ما كانت عليه ويباينه ، مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه
وذهاب بهجته وسرعة تقضيه ، بعد أن كان غضا مخضرا طريا قد تعانقت أغصانه المتمايلة ، وزهت أوراقه المتصافحة ،
وتلألأت أنوار نوره ، وحاكت الزهر أنواع زهره ، وليس المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله ( كماء أنزلناه من
السماء ) بل ما يفهم من الكلام ، والباء في ( فاختلط به نبات الأرض ) للسببية : أي فاختلط بسببه نبات الأرض
بأن اشتبك بعضه ببعض حتى بلغ إلى حد الكمال ، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدأ حدوثه
غير مهتز ولا مترعرع فإذا نزل الماء عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض ( مما يأكل الناس والأنعام )
من الحبوب والثمار والكلأ والتبن وأخذت الأرض زخرفها . قال في الصحاح الزخرف : الذهب ، ثم يشبه به كل
مموه مزور انتهى . والمعنى : أن الأرض أخذت لونها الحسن المشابه بعضه للون الذهب ، وبعضه للون الفضة ،
وبعضه للون الياقوت ، وبعضه للون الزمرذ . وأصل ازينت : تزينت أدغمت التاء في الزاي وجئ بألف الوصل لأن
الحرف المدغم مقام حرفين أولهما ساكن ، والساكن لا يمكن الابتداء به . وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب " وتزينت "
على الأصل . وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية " وأزينت " على وزن أفعلت : أي أزينت بالزينة التي عليها ،
شبهها بالعروس التي تلبس الثياب الجيدة المتلونة ألوانا كثيرة . وقال عوف بن أبي جميلة : قرأ أشياخنا " وازيانت "
فتح القدير — صفحة 437
مساهمون: الشوكاني
ص٤٣٧