سورة يونس الآية ( 11 - 16 )
لما ذكر الله سبحانه الوعيد على عدم الإيمان بالمعاد ، ذكر أن هذا العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة
الدنيا . قال القفال : لما وصفهم بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب ،
فبين الله سبحانه أنه لا مصلحة في إيصال الشر إليهم ، فلعلهم يتوبون ويخرج من أصلابهم من يؤمن ، قيل معنى
( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ) لو عجل الله للناس العقوبة كما يتعجلون بالثواب والخير ( لقضى
إليهم أجلهم ) أي ماتوا ، وقيل المعنى : لو فعل الله مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في
إجابته إلى الخير لأهلكهم ، وقيل الآية خاصة بالكفار الذين أنكروا البعث وما يترتب عليه . قال في الكشاف :
وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته وإسعافه بطلبتهم حتى كأن استعجالهم بالخير
تعجيل له ، والمراد أهل مكة وقولهم - فأمطر علينا حجارة من السماء - الآية . قيل والتقدير : ولو يعجل الله لهم الشر
عند استعجالهم به تعجيلا مثل تعجيله لهم الخير عند استعجالهم به ، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه . قال أبو علي
الفارسي : في الكلام حذف ، والتقدير ( ولو يعجل الله للناس الشر ) تعجيلا مثل ( استعجالهم بالخير ) ، ثم حذف
تعجيلا وأقام صفته مقامه ، ثم حذف صفته وأقام المضاف إليه مقامه قال : هذا مذهب الخليل وسيبويه ، وهو
قول الأخفش والفراء ، قالوا : وأصله كاستعجالهم ، ثم حذف الكاف ونصب . قال الفراء : كما تقول ضربت
زيدا ضربك : أي كضربك ، ومعنى ( لقضى إليهم أجلهم ) لأهلكوا ، ولكنه سبحانه لم يعجل لهم الشر فأمهلوا ،
وقيل معناه : أميتوا . وقرأ ابن عامر " لقضى " على البناء للفاعل ، وهي قراءة حسنة لمناسبة ذلك لقوله ( ولو يعجل
الله ) . قوله ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون ) الفاء للعطف على مقدر يدل عليه الكلام ، لأن
قوله ( ولو يعجل الله ) يتضمن نفي التعجيل ، فكأنه قيل : لكن لا يعجل لهم الشر ولا يقضى إليهم أجلهم فنذرهم
الخ : أي فنتركهم ونمهلهم ، والطغيان : التطاول ، وهو العلو والارتفاع ، ومعنى ( يعمهون ) يتحيرون : أي
فتح القدير — صفحة 428
مساهمون: الشوكاني
ص٤٢٨