سورة براءة الآية ( 80 - 83 )
أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين وعدمه سواء ، وذلك
لأنهم ليسوا بأهل لاستغفاره صلى الله عليه وآله وسلم ولا للمغفرة من الله سبحانه لهم ، فهو كقوله تعالى - قل أنفقوا
طوعا أو كرها لن يتقبل منكم - ، ثم قال ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) وفيه بيان لعدم المغفرة من
الله سبحانه للمنافقين وإن أكثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاستغفار لهم ، وليس المراد من هذا أنه لو زاد
على السبعين لكان ذلك مقبولا كما في سائر مفاهيم الأعداد ، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول . فقد كانت
العرب تجرى ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير ، والمعنى : أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم
استغفارا بالغا في الكثرة غاية المبالغ . وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة
عليه ، ويدل لذلك ما سيأتي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : لأزيدن على السبعين . وذكر بعضهم
لتخصيص السبعين وجها فقال : إن السبعة عدد شريف ، لأنها عدد السماوات والأرضين والبحار والأقاليم
والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع ، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة ، لأن الحسنة بعشر أمثالها .
وقيل خصت السبعون بالذكر لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كبر على عمه الحمزة سبعين تكبيرة ، فكأنه قال : إن
تستغفر لهم سبعين مرة بإذاء تكبيراتك على حمزة . وانتصاب سبعين على المصدر كقولهم : ضربته عشرين ضربة .
ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله ( ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ) أي ذلك الامتناع بسبب كفرهم بالله ورسوله ( والله
لا يهدى القوم الفاسقين ) أي المتمردين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها ، والمراد هنا الهداية الموصلة إلى
المطلوب ، لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق . ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من قبائح المنافقين فقال ( فرح
المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ) المخلفون المتروكون ، وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
من المنافقين ، فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك ، أو الذين خلفهم الله وثبطهم ، أو الشيطان أو كسلهم أو
المؤمنون ، ومعنى ( بمقعدهم ) أي بقعودهم يقال قعد قعودا ومقعدا : أي جلس ، وأقعده غيره ، ذكر معناه
الجوهري فهو متعلق بفرح : أي فرح المخلفون بقعودهم ، وخلاف رسول الله منتصب على أنه ظرف لمقعدهم .
قال الأخفش ويونس : الخلاف بمعنى الخلف : أي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك أن جهة
فتح القدير — صفحة 387
مساهمون: الشوكاني
ص٣٨٧