عيال ، وقيل من يسبق إلى الحرب كالطلائع ، ومن يتأخر كالجيش ، وقيل غير ذلك . ولا مانع من حمل الآية
على جميع هذه المعاني ، لأن معنى الآية : انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت . قيل وهذه الآية منسوخة بقوله
تعالى - ليس على الضعفاء ولا على المرضى - ، وقيل الناسخ لها قوله - فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة - الآية .
وقيل هي محكمة وليست بمنسوخة ، ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله - ليس على الأعمى حرج ولا على
الأعرج حرج - وإخراج الضعيف والمريض بقوله - ليس على الضعفاء ولا على المرضى - من باب التخصيص ،
لا من باب النسخ على فرض دخول هؤلاء تحت قوله ( خفافا وثقالا ) والظاهر عدم دخولهم تحت العموم . قوله
( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد ، فالفقراء
يجاهدون بأنفسهم ، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم . والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها ، وهو فرض كفاية مهما
كان البعض يقوم بجهاد العدو ويدفعه ، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض أو أقطار
وجب عليهم ذلك وجوب عين ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما تقدم من الأمر بالنفير والأمر بالجهاد ( خير
لكم ) أي خير عظيم في نفسه ، وخير من السكون والدعة ( إن كنتم تعلمون ) ذلك وتعرفون الأشياء الفاضلة
وتميزونها عن المفضولة . قوله ( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك . قال الزجاج : لو كان المدعو
إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه ، والعرض : ما يعرض من منافع الدنيا ، والمعنى : غنيمة قريبة غير بعيدة ( وسفرا
قاصدا ) عطف على ما قبله : أي سفرا متوسطا بين القرب والبعد ، وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد
ولكن ( بعدت عليهم الشقة ) قال أبو عبيدة وغيره : إن الشقة السفر إلى أرض بعيدة ، يقال منه شقة شاقة . قال
الجوهري : الشقة بالضم من الثياب ، والشقة أيضا : السفر البعيد ، وربما قالوه بالكسر ، والمراد بهذا غزوه تبوك
فإنها كانت سفرة بعيده شاقة . وقرأ عيسى بن عمر " بعدت عليهم الشقة " بكسر العين والشين ( وسيحلفون بالله )
أي المتخلفون عن عزوة تبوك حال كونكم قائلين ( لو استطعنا لخرجنا معكم ) أي لو قدرنا على الخروج ووجدنا
ما نحتاج إليه فيه مما لا بد منه ( لخرجنا معكم ) هذه الجملة سادة مسد جواب القسم والشرط . قوله ( يهلكون
أنفسهم ) هو بدل من قوله ( سيحلفون ) لأن من حلف كاذبا فقد أهلك نفسه أو يكون حالا : أي مهلكين أنفسهم
موقعين لها موقع الهلاك ( والله يعلم إنهم لكاذبون ) في حلفهم الذي سيحلفون به لكم .
وقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير ، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( يا أيها
الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ) الآية ، قال هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح ، وحين أمرهم بالنفير
في الصيف وحين خرفت النخل وطابت الثمار واشتهوا الظلال وشق عليهم المخرج ، فأنزل الله ( انفروا خفافا وثقالا )
وأخرج أبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في
سننه عن ابن عباس في قوله ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استنفر
حيا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه ، فأنزل الله هذه الآية فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم . وأخرج ابن
أبي حاتم عن عكرمة قال : لما نزلت ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ) . وقد كان تخلف عنه أناس في البدو يفقهون
قومهم ، فقال المؤمنون : قد بقي ناس في البوادي وقالوا هلك أصحاب البوادي ، فنزلت ( وما كان المؤمنون
لينفروا كافة ) . وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ( إلا تنفروا )
الآية قال : نسختها - وما كان المؤمنون لينفروا كافة . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ
عن مجاهد في قوله ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) قال : ذكر ما كان من أول شأنه حين بعث ، يقول : فأنا فاعل
فتح القدير — صفحة 363
مساهمون: الشوكاني
ص٣٦٣