ولو قال يوم تحمى : أي الكنوز لم يعط هذا المعنى ، فجعل الإحماء للنار مبالغة ، ثم حذف النار وأسند الفعل إلى
الجار كما تقول رفعت القصة إلى الأمير ، فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير ، وقرأ ابن عامر " تحمى " بالمثناة
الفوقية . وقرأ أبو حيوة " فيكوى " بالتحتية . وخص الجباه والجنوب والظهور لكون التألم بكيها قبل أشد لما في داخلها
من الأعضاء الشريفة ، وقيل ليكون الكي في الجهات الأربع : من قدام ، وخلف ، وعن يمين ، وعن يسار ،
وقيل لأن الجمال في الوجه ، والقوة في الظهر والجنبين ، والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة ، وقيل غير
ذلك مما لا يخلو عن تكلف . قوله ( هذا ما كنزتم لأنفسكم ) أي يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم : أي كنزتموه لتنتفعوا
به فهذا نفعه على طريقة التهكم والتوبيخ ( فذوقوا ما كنتم تكنزون ) ما مصدرية أو موصولة : أي ذوقوا وباله ،
وسوء عاقبته ، وقبح مغبته ، وشؤم فائدته .
وقد أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ) يعني علماء اليهود والنصارى
( ليأكلون أموال الناس بالباطل ) والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها أموال الناس ، وذلك قول الله تعالى
- فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله - . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله
( والذين يكنزون الذهب والفضة ) قال : هؤلاء الذين لا يؤدون الزكاة من أموالهم ، وكل مال لا تؤدى زكاته
كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز ، وكل مال أديت زكاته فليس بكنز ، كان على ظهر الأرض أو
في بطنها ، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ من وجه آخر . وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن المنذر
وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر نحوه . وأخرج ابن مردويه عنه نحوه مرفوعا . وأخرج ابن عدي والخطيب
عن جابر نحوه مرفوعا أيضا . وأخرجه ابن أبي شيبة عنه موقوفا . وأخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن ماجة وابن
مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر في الآية قال : إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت الزكاة جعلها الله
طهرة للأموال ، ثم قال : ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهبا أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعات الله ؟ وأخرج
ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال : ليس بكنز ما أدى زكاته . وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن
أم سلمة مرفوعا نحوه . وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو داود وأبو يعلي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن
مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) كبر ذلك على
المسلمين ، وقالوا : ما يستطيع أحد منا لولده مالا يبقى بعده ، فقال عمر : أنا أفرج عنكم ، فانطلق عمر واتبعه
ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية ، فقال : إن الله لم
يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم ، فكبر عمر ، ثم قال
له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء ؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها
أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته . وقد أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن سالم بن أبي الجعد من غير وجه
عن ثوبان . وحكى البخاري أن سالما لم يسمعه من ثوبان . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( والذين
يكنزون الذهب والفضة ) قال : هم أهل الكتاب ، وقال : هي خاصة وعامة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ
عن علي بن أبي طالب قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوقها كنز . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن
أبي أمامة قال : حلية السيوف من الكنوز ما أحدثكم إلا ما سمعت . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عراك بن
مالك وعمر بن عبد العزيز أنهما قالا في قوله ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) إنها نسختها الآية الأخرى - خذ من
أموالهم صدقة - الآية . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال
فتح القدير — صفحة 357
مساهمون: الشوكاني
ص٣٥٧