يظهر لهم أن ذلك من تحريف سلفهم لغرض من الأغراض الفاسدة ، قيل : وهذه المقالة إنما هي لبعض النصارى
لا لكلهم . قوله ( ذلك قولهم بأفواههم ) الإشارة إلى ما صدر عنهم من هذه المقالة الباطلة . ووجه قوله بأفواههم
مع العلم بأن القول لا يكون إلا الفم . بأن هذا القول لما كان ساذجا ليس فيه بيان ولا عضده برهان كان مجرد
دعوى ، لا معنى تحتها فارغة صادرة عنهم صدور المهملات التي ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه ، غير
مفيدة لفائدة يعتد بها ، وقيل إن ذكر الأفواه لقصد التأكيد كما في كتبت بيدي ومشيت برجلي ، ومنه قوله تعالى
- يكتبون الكتاب بأيديهم - . وقوله - ولا طائر يطير بجناحيه - . وقال بعض أهل العلم : إن الله سبحانه لم يذكر
قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولا زورا كقوله - يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم - ، وقوله
- كبرت كلمة تخرج من أفواههم - وقوله - يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم - . قوله ( يضاهئون قول الذين
كفروا ) المضاهاة : المشابهة ، قيل ومنه قول العرب امرأة ضهياء ، وهي التي لا تحيض لأنها شابهت الرجال . قال
أبو علي الفارسي : من قال ( يضاهئون ) مأخوذ من قولهم امرأة ضهياء فقوله خطأ ، لأن الهمزة في ضاهأ أصلية ،
وفي ضهياء زائدة كحمراء ، وأصله يضاهئون وامرأة ضهياء . ومعنى مضاهاتهم لقول الذين كفروا فيه أقوال لأهل
العلم : الأول أنهم شابهوا بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم واللات والعزى ومناة بنات الله . القول الثاني أنهم
شابهوا قول من يقول من الكافرين : إن الملائكة بنات الله ، الثالث أنهم شابهوا أسلافهم القائلين بأن عزير ابن الله
وأن المسيح ابن الله . قوله ( قاتلهم الله ) دعاء عليهم بالهلاك ، لأن من قاتله الله هلك ، وقيل هو تعجب من شناعة
قولهم ، وقيل معنى قاتلهم الله : لعنهم الله ، ومنه قول أبان بن ثعلب :
قاتلها الله تلحاني وقد علمت * أني لنفسي إفسادي وإصلاحي
وحكى النقاش أن أصل قاتل الله : الدعاء ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر وهم
لا يريدون الدعاء ، وأنشد الأصمعي :
يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني * وأخبر الناس أني لا أباليها
( أنى يؤفكون ) أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل . قوله ( اتخذوا أحبار ورهبانهم أربابا من دون الله )
الأحبار : جمع حبر ، وهو الذي يحسن القول ، ومنه ثوب محبر ، وقيل جمع حبر بكسر الحاء . قال يونس : لم
أسمعه إلا بكسر الحاء . وقال الفراء : الفتح والكسر لغتان . وقال ابن السكيت : الحبر بالكسر العالم ، والحبر
بالفتح العالم . والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة ، وهم علماء النصارى كما أن الأحبار علماء اليهود ، ومعنى
الآية أنهم لما أطاعوهم فيما يأمرونهم به وينهونهم عنه كانوا بمنزلة المتخذين لهم أربابا لأنهم أطاعوهم كما تطاع
الأرباب . قوله ( والمسيح ابن مريم ) معطوف على رهبانهم : أي اتخذه النصارى ربا معبودا ، وفيه إشارة إلى أن
اليهود لم يتخذوا عزير ربا معبودا . وفى هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد
في دين الله ، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة ، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله
ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه
وأنبياؤه ، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله ، للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم
وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا ، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة ، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة ،
والتمرة بالتمرة ، والماء بالماء فيا عباد الله ويا أتباع محمد بن عبد الله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا ، وعمدتم إلى
رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاده ، فعلتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد
فتح القدير — صفحة 353
مساهمون: الشوكاني
ص٣٥٣