بالمكلفين عند النزول فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى دليل آخر ، وقيل إنها جعلت محاربة المسلمين محاربة لله
ولرسوله إكبارا لحربهم وتعظيما لأذيتهم ، لأن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب . والأولى أن تفسير محاربة الله سبحانه
بمعاصيه ومخالفة شرائعه ومحاربة الرسول تحمل على معناها الحقيقي ، وحكم أمته حكمه وهم أسوته . والسعي في
الأرض فسادا يطلق على أنواع من الشر كما قدمنا قريبا . قال ابن كثير في تفسيره : قال كثير من السلف منهم سعيد
ابن المسيب : إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض ، وقد قال تعالى - وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد
فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد - انتهى .
إذا تقرر لك ما قررناه من عموم الآية ومن معنى المحاربة والسعي في الأرض فسادا . فاعلم أن ذلك يصدق
على كل من وقع منه ذلك ، سواء كان مسلما أو كافرا ، في مصر وغير مصر ، في كل قليل وكثير ، وجليل وحقير ،
وأن حكم الله في ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب ، أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف . أو النفي
من الأرض ، ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أي ذنب من الذنوب ، بل من كان ذنبه هو التعدي على دماء العباد
وأموالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير هذا الحكم في كتاب الله أو سنة رسوله كالسرقة وما يجب فيه القصاص ،
لأنا نعلم أنه قد كان في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم من تقع منه ذنوب ومعاص غير ذلك ، ولا يجري عليه صلى
الله عليه وآله وسلم هذا الحكم المذكور في هذه الآية ، وبهذا تعرف ضعف ما روى عن مجاهد في تفسير المحاربة
المذكورة في هذه الآية أنها الزنا والسرقة ، ووجه ذلك أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب الله وفى سنة رسوله صلى
الله عليه وآله وسلم لهما حكم غير هذا الحكم .
وإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية على مقتضى لغة العرب التي أمرنا بأن نفسر كتاب الله وسنة رسوله
بها ، فإياك أن تغتر بشئ من التفاصيل المروية ، والمذاهب المحكية ، إلا أن يأتيك الدليل الموجب لتخصيص هذا
العموم أو تقييد هذا المعنى المفهوم من لغة العرب فأنت وذاك اعمل به وضعه في موضعه ، وأما ما عداه :
فدع عنك نهبا صيح في حجراته * وهات حديثا ما حديث الرواحل
على أنا سنذكر من هذه المذاهب ما تسمعه . اعلم أنه قد اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة ، فقال ابن
عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور : إن من شهر السلاح
في قبة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار : إن شاء قتله ، وإن شاء صلبه ،
وإن شاء قطع يده ورجله . وبهذا قال مالك وصرح بأن المحارب عنده من حمل على الناس في مصر أو في برية
أو كابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة . قال ابن المنذر : اختلف عن مالك في هذه المسألة
فأثبت المحاربة في المصر مرة ونفى ذلك مرة . وروى عن ابن عباس غير ما تقدم فقال في قطاع الطريق : إذا قتلوا
وأخذوا المال قتلوا وصلبوا ، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت
أيديهم وأرجلهم من خلاف . وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض . وروى عن أبي مجلز وسعيد
ابن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء على اختلاف في الرواية عن بعضهم ، وحكاه ابن كثير
عن الجمهور . وقال أيضا : وهكذا عن غير واحد من السلف والأئمة . وقال أبو حنيفة : إذا قتل قتل وإذا أخذ
المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه : إن شاء قطع يديه ورجليه ،
وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه . وقال أبو يوسف : القتل يأتي على كل شئ ، ونحوه قول الأوزاعي . وقال
الشافعي : إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت ، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلى ، لأن هذه الجناية
فتح القدير — صفحة 35
مساهمون: الشوكاني
ص٣٥