سورة الأنفال الآية ( 38 - 40 )
أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى وسواء قاله بهذه العبارة أو
غيرها . قال ابن عطية : ولو كان كما قال الكسائي إنه في مصحف عبد الله بن مسعود ( قل للذين كفروا إن
تنتهوا ) يعني بالتاء المثناة من فوق لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها . وقال في الكشاف : أي قل لأجلهم
هذا القول ، وهو ( إن ينتهوا ) ولو كان بمعنى خاطبهم لقيل إن تنتهوا يغفر لكم ، وهي قراءة ابن مسعود ، ونحوه
- وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه - خاطبوا به غيرهم لأجلهم ليسمعوه : أي إن ينتهوا
عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام ( يغفر لهم ما قد سلف ) لهم
من العداوة انتهى ، وقيل معناه : إن ينتهوا عن الكفر قال ابن عطية : والحامل على ذلك جواب الشرط بيغفر لهم
ما قد سلف ، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر . وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام يجب ما قبله
( وإن يعودوا ) إلى القتال والعداوة أو إلى الكفر الذي هم عليه ويكون العود بمعنى الاستمرار ( فقد مضت سنة
الأولين ) هذه العبارة مشتملة على الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله : أي
قد مضت سنة الله فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبه بعذاب فليتوقعوا مثل ذلك ( وقاتلوهم
حتى لا تكون فتنة ) أي كفر ، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة مستوفى ( فإن انتهوا ) عما ذكر ( فإن الله بما يعملون
بصير ) لا يخفى عليه ما وقع منهم من الانتهاء ( وإن تولوا ) عما أمروا به من الانتهاء ( فاعلموا ) أيها المؤمنون ( أن
الله مولاكم ) أي ناصركم عليهم ( نعم المولى ونعم النصير ) فمن والاه فاز ومن نصره غلب .
وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( فقد مضت
سنة الأولين ) قال : في قريش وغيرها يوم بدر ، والأمم قبل ذلك . وأخرج أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص قال :
لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : ابسط يدك فلأبايعك ، فبسط يمينه
فقبضت يدي ، قال : مالك ؟ قلت : أردت أن أشترط ، قال : تشترط ماذا ؟ قلت : أن تستغفر لي ، قال : أما
علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟ وقد ثبت
في الصحيح من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " الإسلام يجب ما قبله ، والتوبة
تجب ما قبلها " وقد فسر كثير من السلف قوله تعالى ( فقد مضت سنة الأولين ) بما مضى في الأمم المتقدمة من
عذاب من قاتل الأنبياء وصمم على الكفر . وقال السدي ومحمد بن إسحاق : المراد بالآية يوم بدر . وفسر جمهور
السلف الفتنة المذكورة هنا بالكفر . وقال محمد بن إسحاق : بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من
علمائنا ( حتى لا تكون فتنة ) حتى لا يفتن مسلم عن دينه .
فتح القدير — صفحة 308
مساهمون: الشوكاني
ص٣٠٨