الناس فقال : كيف ترون ؟ فقال عمر مثل قول أبي بكر ، ثم خطب الناس فقال : كيف ترون ؟ فقال سعد بن
معاذ : يا رسول الله إيانا تريد ، فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم ولئن سرت
حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك ولا نكونن كالذين قالوا لموسى - اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا
قاعدون - ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون ، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك
غيره ، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له ، فصل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، وعاد من شئت
وسالم من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، فنزل القرآن على قول سعد ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) إلى
قوله ( ويقطع دابر الكافرين ) وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد الغنيمة مع أبي سفيان فأحدث
الله إليه القتال . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( كما
أخرجك ربك من بيتك بالحق ) قال : كذلك يجادلونك في خروج القتال . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم
وأبو الشيخ عن السدي في قوله ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) قال : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم
إلى بدر ( وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ) قال : لطلب المشركين ( يجادلونك في الحق بعد ما تبين ) أنك لا تصنع
إلا ما أمرك الله به . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون
لكم ) قال : هي عير أبي سفيان ود أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن العير كانت لهم وأن القتال صرف
عنهم . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ( ويقطع دابر الكافرين ) أي شأفتهم . ووقعة بدر قد اشتملت عليها كتب
الحديث والسير والتاريخ مستوفاة فلا نطيل بذكرها .
سورة الأنفال الآية ( 9 - 10 )
قوله ( إذ تستغيثون ) الظرف متعلق بمحذوف : أي واذكروا وقت استغاثتكم ، وقيل بدل من - وإذ يعدكم
الله - معمول لعامله ، وقيل متعلق بقوله ( ليحق الحق ) والاستغاثة : طلب الغوث ، يقال : استغاثني فلان فأغثته
والاسم الغياث ، والمعنى : أن المسلمين لما علموا أنه لا بد من قتال الطائفة ذات الشوكة وهم النفير كما أمرهم الله
بذلك وأراده منهم ورأوا كثرة عدد النفير وقلة عددهم استغاثوا بالله سبحانه ، وقد ثبت في صحيح مسلم من
حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عدد المشركين يوم بدر ألف ، وعدد المسلمين ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا ،
وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى ذلك استقبل القبلة ، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني
اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " الحديث ( فاستجاب لكم )
عطف على تستغيثون داخل معه في التذكير ، وهو وإن كان مستقبلا فهو بمعنى الماضي ، ولهذا عطف عليه
استجاب . قوله ( أنى ممدكم بألف من الملائكة ) أي بأني ممدكم فحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المفعول
وقرئ بكسر الهمزة على إرادة القول ، أو على أن في استجاب معنى القول . قوله ( مردفين ) قرأ نافع بفتح الدال
اسم مفعول ، وقرأ الباقون بكسرها اسم فاعل وانتصابه على الحال ، والمعنى على القراءة الأولى : أنه جعل بعضهم
تابعا لبعض ، وعلى القراءة الثانية : أنهم جعلوا بعضهم تابعا لبعض ، وقيل إن مردفين على القراءتين نعت لألف
وقيل إنه على القراءة الأولى حال من الضمير المنصوب في ممدكم : أي ممدكم في حال إردافكم بألف من الملائكة ،
فتح القدير — صفحة 289
مساهمون: الشوكاني
ص٢٨٩