المعنى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، ثم أتل إيتاء موسى الكتاب ، وقيل إن التوصية المعطوف عليها قديمة
لم يزل كل نبي يوصي بها أمته ، وقيل إن ثم للتراخي في الإخبار كما تقول : بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت
بالأمس أعجب . قوله ( تماما ) مفعول لأجله أو مصدر ، و ( على الذي أحسن ) قرئ بالرفع وهي قراءة يحيى
ابن يعمر وابن أبي إسحاق ، فيكون رفع أحسن على تقدير مبتدأ : أي على الذي هو أحسن ، ومنه ما حكى سيبويه
عن الخليل أنه سمع : ما أنا بالذي قائل لك شيئا . وقرأ الباقون بالنصب على أنه فعل ماض عند البصريين ، وأجاز
الفراء والكسائي أن يكون اسما نعتا للذي ، وهذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتم ، والمعنى عندهم
تماما على من أحسن قبوله والقيام به كائنا من كان ، ويؤيد هذا أن ابن مسعود قرأ ( تماما على الذين أحسنوا ) وقال
الحسن : كان فيهم محسن وغير محسن ، فأنزل الله الكتاب تماما على المحسنين ، وقيل المعنى : أعطينا موسى التوراة
زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه الله قبل نزول التوراة عليه ، وقيل المعنى : تماما على الذي أحسن به الله عز
وجل إلى موسى من الرسالة وغيرها ، وقيل : تماما على إحسان موسى بطاعة الله عز وجل قاله الفراء . قوله ( وتفصيلا
لكل شئ ) معطوف على تماما : أي ولأجل تفصيل كل شئ وكذا ( هدى ورحمة ) معطوفتان عليه : أي وللهدى
والرحمة ، والضمير في لعلهم راجع إلى بني إسرائيل المدلول عليه بذكر موسى ، والباء في ( بلقاء ) متعلقة بيؤمنون .
قوله ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) الإشارة إلى القرآن ، واسم الإشارة مبتدأ وخبره كتاب ، وأنزلناه صفة لكتاب
ومبارك صفة أخرى له ، وتقديم صفة الإنزال لكون الإنكار متعلقا بها ، والمبارك كثير البركة لما هو مشتمل
عليه من المنافع الدنيوية والدينية ( فاتبعوه ) فإنه لما كان من عند الله وكان مشتملا على البركة ، كان اتباعه متحتما
عليكم ( واتقوا ) مخالفته والتكذيب بما فيه ( لعلكم ) إن قبلتموه ولم تخالفوه ( ترحمون ) برحمة الله سبحانه ، وأن في
( أن تقولوا ) في موضع نصب . قال الكوفيون : لئلا تقولوا . وقال البصريون : كراهة أن تقولوا . وقال الفراء
والكسائي : المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة ( إنما أنزل الكتاب ) : أي التوراة والإنجيل ( على طائفتين من
قبلنا ) وهم اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب ( وإن كنا عن دراستهم ) أي عن تلاوة كتبهم بلغاتهم ( لغافلين )
أي لا ندري ما فيها ، ومرادهم إثبات نزول الكتابين مع الاعتذار عن اتباع ما فيهما بعدم الدراية منهم والغفلة عن
معناهما . قوله ( أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب ) معطوف على ( تقولوا ) أي أو أن تقولوا لو أنا أنزل علينا
الكتاب كما أنزل على الطائفتين من قبلنا ( لكنا أهدى منهم ) إلى الحق الذي طلبه الله ، فإن هذه المقالة والمعذرة منهم
مندفعة بإرسال محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليهم وإنزال القرآن عليه ، ولهذا قال ( فقد جاءكم بينة من ربكم )
أي كتاب أنزله الله على نبيكم ، وهو منكم يا معشر العرب ، فلا تعتذروا بالأعذار الباطلة وتعللوا أنفسكم بالعلل
الساقطة ، فقد أسفر الصبح لذي عينين ( وهدى ورحمة ) معطوف على ( بينة ) أي جاءكم البينة الواضحة والهدى
الذي يهتدى به كل من له رغبة في الاهتداء ، ورحمة من الله يدخل فيها كل من يطلبها ويريد حصولها . ولكنكم
ظلمتم أنفسكم بالتكذيب بآيات الله والصدوف عنها : أي الانصراف عنها ، وصرف من أراد الإقبال إليها ( فمن
أظلم ممن كذب بآيات الله ) التي هي رحمة وهدى للناس ( وصدف عنها ) فضل بانصرافه عنها ، وأضل بصرف
غيره عن الإقبال إليها ( سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب ) أي العذاب السيئ ب ( سبب ( ما كانوا
يصدفون ) وقيل معنى صدف : أعرض ، ويصدفون يعرضون ، وهو مقارب لمعنى الصرف ، وقد تقدم تحقيق
معنى هذا اللفظ ، والاستفهام في فمن أظلم للإنكار : أي إنكار أن يكون أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف
عنها مع ما يفيده ذلك من التبكيت لهم .
فتح القدير — صفحة 180
مساهمون: الشوكاني
ص١٨٠