وقوة الأبدان وقد أهلكناهم جميعا ، فإهلاككم وأنتم دونهم بالأولى . قوله ( وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) يريد
المطر الكثير ، عبر عنه بالسماء ، لأنه ينزل من السماء ، ومنه قول الشاعر : * إذا نزل السماء بأرض قوم *
والمدرار صيغة مبالغة تدل على الكثرة كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ، وميناث التي تلد الإناث
يقال در اللبن يدر : إذا أقبل على الحالب بكثرة وانتصاب ( مدرارا ) على الحال ، وجريان الأنهار من تحتهم معناه
من تحت أشجارهم ومنازلهم : أي أن الله وسع عليهم النعم بعد التمكين لهم في الأرض فكفروها ، فأهلكهم الله بذنوبهم
( وأنشأنا من بعدهم ) أي من بعد إهلاكهم ( قرنا آخرين ) فصاروا بدلا من الهالكين ، وفى هذا بيان لكمال قدرته
سبحانه وقوة سلطانه وأنه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء . قوله ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم
لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) في هذه الجملة بيان شدة صلابتهم في الكفر ، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل
الله على رسوله كتابا مكتوبا في قرطاس بمرأى منهم ومشاهدة ( فلمسوه بأيديهم ) حتى يجتمع لهم إدراك الحاستين :
حاسة البصر ، وحاسة اللمس ( لقال الذين كفروا ) منهم ( إن هذا إلا سحر مبين ) ولم يعلموا بما شاهدوا ولمسوا ،
وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس ، فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة
ملك لا يرونه ولا يحسونه ؟ والكتاب مصدر بمعنى الكتابة ، والقرطاس : الصحيفة . قوله ( وقالوا لولا أنزل عليه
ملك ) هذه الجملة مشتملة على نوع آخر من أنواع جحدهم لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم وكفرهم بها : أي
قالوا هلا أنزل الله عليك ملكا نراه ويكلمنا أنه نبي حتى نؤمن به ونتبعه ؟ كقولهم - لولا أنزل إليه ملك فيكون
معه نذيرا - ( ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ) أي لو أنزلنا ملكا على الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه
ويخاطبهم ( لقضي الأمر ) أي لأهلكناهم إذ لم يؤمنوا عند نزوله ورؤيتهم له ، لأن مثل هذه الآية البينة ، وهي
نزول الملك على تلك الصفة إذا لم يقع الإيمان بعدها فقد استحقوا الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة ( ثم لا ينظرون ) أي
لا يمهلون بعد نزوله ومشاهدتهم له ، وقيل إن المعنى : إن الله سبحانه لو أنزل ملكا مشاهدا لم تطق قواهم البشرية
أن يبقوا بعد مشاهدته أحياء ، بل تزهق أرواحهم عند ذلك فيبطل ما أرسل الله له رسله وأنزل به كتبه من هذا
التكليف الذي كلف به عباده - لنبلوهم أيهم أحسن عملا - . قوله ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) أي لو جعلنا الرسول
إلى النبي ملكا يشاهدونه ويخاطبونه لجعلنا ذلك الملك رجلا . لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي
خلقه الله عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجسام بني آدم . لأن كل جنس يأنس بجنسه ، فلو
جعل الله سبحانه الرسول إلى البشر أو الرسول إلى رسوله ملكا مشاهدا مخاطبا لنفروا منه ولم يأنسوا به ، ولداخلهم
الرعب وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته ، هذا أقل حال فلا تتم المصلحة من الإرسال .
وعند أن يجعله الله رجلا : أي على صورة رجل من بني آدم ليسكنوا إليه ويأنسوا به سيقول الكافرون إنه ليس
بملك وإنما هو بشر ، ويعودون إلى مثل ما كانوا عليه . قوله ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) أي لخلطنا عليهم ما
يخلطون على أنفسهم لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك ، فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه
قال الزجاج : المعنى للبسنا عليهم ، أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم ، وكانوا يقولون لهم : إنما محمد
بشر وليس بينه وبينكم فرق . فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم ، فأعلم الله عز وجل أنه لو نزل ملكا في صورة
رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون . واللبس : الخلط ، يقال لبست عليه الأمر ألبسه لبسا : أي خلطته ،
وأصله التستر بالثوب ونحوه ، ثم قال سبحانه مؤنسا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ومسليا له ( ولقد استهزئ
برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ) يقال : حاق الشئ يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا
فتح القدير — صفحة 101
مساهمون: الشوكاني
ص١٠١