بعوضة المفعول الثاني . وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤية بن العجاج " بعوضة " بالرفع وهي لغة تميم . قال
أبو الفتح : وجه ذلك أن " ما " اسم بمنزلة الذي ، وبعوضة رفع على إضمار المبتدأ ، ويحتمل أن تكون " ما " استفهامية
كأنه قال تعالى ( ما بعوضة فما فوقها ) حتى لا يضرب المثل به ، بل يدان لمثل بما هو أقل من ذلك بكثير ، والبعوضة
فعولة من بعض : إذا قطع ، يقال : بعض وبضع بمعنى ، والبعوض : البق ، الواحدة بعوضة ، سميت بذلك لصغرها
قاله الجوهري وغيره . وقوله ( فما فوقها ) قال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما : فما فوقها والله أعلم ما دونها : أي
أنها فوقها في الصغر كجناحها . قال الكسائي وهذا كقولك في الكلام أتراه قصيرا فيقول القائل أو فوق ذلك أي أقصر
مما ترى . ويمكن أن يراد فما زاد عليها في الكبر . وقد قال بذلك جماعة . قوله ( فأما الذين آمنوا ) أما حرف فيه
معنى الشرط ، وقدره سيبويه بمهما يكن من شئ فكذا . وذكر صاحب الكشاف أن فائدته في الكلام أنه يعطيه
فضل توكيد وجعل تقدير سيبويه دليلا على ذلك . والضمير في ( أنه ) راجع إلى المثل . و ( الحق ) الثابت ، وهو
المقابل للباطل والحق واحد الحقوق ، والمراد هنا الأول . وقد اختلف النحاة في ( ماذا ) فقيل : هي بمنزلة اسم
واحد بمعنى : أي شئ أراد الله ، فتكون في موضع نصب بأراد . قال ابن كيسان : وهو الجيد . وقيل " ما " اسم
تام في موضع رفع بالابتداء ، و " ذا " بمعنى الذي ، وهو خبر المبتدأ مع صلته ، وجوابه يكون على الأول منصوبا
وعلى الثاني مرفوعا . والإرادة نقيض الكراهة ، وقد اتفق المسلمون على أنه يجوز إطلاق هذا اللفظ على الله سبحانه ،
و ( مثلا ) قال ثعلب : منصوب على القطع ، والتقدير : أراد مثلا . وقال ابن كيسان : هو منصوب على التمييز
الذي وقع موقع الحال ، وهذا أقوى من الأول . وقوله ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) هو كالتفسير للجملتين
السابقتين المصدرتين بأما ، فهو خبر من الله سبحانه . وقيل : هو حكاية لقول الكافرين كأنهم قالوا : ما مراد الله
بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى ؟ وليس هذا بصحيح ، فإن الكافرين لا يقرون بأن في القرآن
شيئا من الهداية ، ولا يعترفون على أنفسهم بشئ من الضلالة . قال القرطبي : ولا خلاف أن قوله ( وما يضل به
إلا الفاسقين ) من كلام الله سبحانه . وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور هنا وفي نسبته إلى الله
سبحانه . وقد نقح البحث الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب في هذا الموضع تنقيحا نفيسا ، وجوده وطوله وأوضح
فروعه وأصوله ، فليرجع إليه فإنه مفيد جدا . وأما صاحب الكشاف فقد اعتمد ها هنا على عصاه التي يتوكأ عليها
في تفسيره ، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه بكونه سببا ، فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي .
وحكى القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله ( يضل ) يخذل . والفسق : الخروج عن الشئ ، يقال
فسقت الرطبة : إذا خرجت عن قشرها . والفأرة من جحرها ذكر معنى هذا الفراء . وقد استشهد أبو بكر بن
الأنباري في كتاب الزاهر له على معنى الفسق بقول رؤبة بن العجاج :
يهوين في نجد وغورا غائرا * فواسقا عن قصدها جوائر
قد زعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق ، وهذا مردود عليه ، فقد حكى
ذلك عن العرب وأنه من كلامهم جماعة من أئمة اللغة كابن فارس والجوهري وابن الأنباري وغيرهم . وقد ثبت
في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " خمس فواسق " الحديث . وقال في الكشاف : الفسق الخروج
عن القصد ، ثم ذكر عجز بيت رؤبة المذكور ، ثم قال : والفاسق في الشريعة : الخارج عن أمر الله بارتكاب
الكبيرة انتهى . وقال القرطبي : والفسق في عرف الاستعمال الشرعي : الخروج من طاعة الله عز وجل ، فقد
يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان انتهى . وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي ، ولا وجه لقصره على
فتح القدير — صفحة 57
مساهمون: الشوكاني
ص٥٧